بقلم الأب يسطس الأورشليمى
من بين رهبان جبل نتريا (فرما) كان يوجد أربعة أخوة يلقبون بالطوال نظراً لطول قامتهم، كان هؤلاء الأخوة من أب واحد وأم واحدة وهم أمونيوس أكبرهم وديسقوروس ويوساب وأفثيموس، وقد أشتهر هؤلاء الأخوة بتقواهم الزائدة وغيرتهم الشديدة على الإيمان، كما أنهم كانوا من أنصار العلامة أوريجانوس وشغوفين بمطالعة مؤلفاته، وفضلاً عن الروحانية والنسك التي اتسموا بها، قاموا بنضال ضد الأريوسية بعد نياحة البابا أثناسيوس الرسولى، وكانوا على علاقة طيبة بالبابا تيموثاوس الإسكندري وحتى عام 400 م مع البابا ثيؤفيلس، فقد أحبهم وأكرمهم كرامة زائدة، فرسم ديسقوروس أسقفاً على هرموبوليس (المنيا والأشمونين)، وأراد أن يرسم آخر منهم  فأعتذر لعدم إستحقاقه لهذه الكرامة السامية فرسم منهم كاهنين في الإسكندرية يساعدانه في الخدمة هما يوسابيوس وأفثيموس.
 
فلما رأوا أن البابا قد حرم فيلسوفهم غضبوا وتركوا الإسكندرية بدون إذنه وعادوا إلى قلاليهم بالدير وتحزبوا مع بعض الرهبان يساندهم ديسقوروس أسقف هرموبوليس، مما جعل البابا يستاء جداً ممن خالفوه في الرأي حول أوريجانوس، وأرسل منشوراً إلى الرهبان جميعاً يأمرهم فيه أن يتجنبوا أولئك الرهبان ثم قطع الأسقف ديسقوروس، وبعد المقاومة الشديدة من الأخوة الطوال للبابا ثيؤفيلس رأوا خطر مقاومتهم للبطريرك عظيماً، فتركوا الإسكندرية قاصدين الاراضى المقدسة فلم يجدوا الترحيب اللائق لأن الحرم علم به أهل الاراضى المقدسة فلم يقبلوهم، ولكن بعض الأساقفة قبلوهم وعندما لامهم البابا رفضوا قبولهم عندما وجد الأخوة الطوال أنفسهم مطاردين في كل مكان صمموا على الذهاب إلى القسطنطينية لعلمهم بأن بطريركها من أنصار العلامة أوريجانوس، وكان عدد الرهبان التابعين للأخوة الطوال حوالى الخمسين لرفع دعواهم أمام بطريرك القسطنطينية القديس العظيم يوحنا ذهبي الفم الذي أشفق عليهم وسألهم عما يطلبون فالتمسوا منه أن ينصفهم من بطريركهم أو يرفعون دعواهم إلى الإمبراطور، فوعدهم يوحنا ذهبي الفم خيراً ووعدهم بأنه سيراسل أخاه البابا ثيؤفيلس في أمرهم وقبلهم في شركته في القسطنطينية، لكن هذا التصرف من القديس يوحنا ذهبي الفم جعل الصلة بينه وبين البابا ثيؤفيلس متوترة، وتصاعدت المشكلة وازدادت تعقيداً بتدخل الملكة أفدوكسيا التي تغير قلبها تجاه يوحنا ذهبي الفم بسبب تبكيته لها على إفراطها في الخلاعة، وزاد من حنقها عليه ورفعوا ذلك الإشمئزاز الذي أبداه القديس، عندما أقام زوجها الإمبراطور أركاديوس تمثالاً من الفضة في أضخم ميادين العاصمة فى إحتفال كبير شهد مختلف أنواع المجون والعبث.
 
فطلبت الملكة أفدوكسيا من البطريرك الإسكندري أن يعقد مجمعاً يحرم فيه ذهبي الفم ويحكم عليه بالنفي، وهددته هو والقديس ابيفانيوس أسقف سيلاميس بقبرص بأنها ستفتح أبواب المعابد الوثنية والسماح بعبادة الأوثان إن لم يحرما القديس يوحنا ذهبي الفم . 
 
فعقد القديس ابيفانيوس مجمعاً من أساقفة قبرص، وحرم كل من يقرأ مؤلفات أوريجانوس، وسافر إلى القسطنطينية، أما البابا ثيؤفيلس فقد تألم كثيراً جداً لما وصلت إليه الأمور، وإضطر مرغماً للتوجه إلى القسطنطينية عام 403م مع أساقفة ورجال من الإكليروس وتقابل هناك مع القديس أبيفانيوس الذي لم يستمر في القسطنطينية كثيراً، ولكنه رجع حيث تنيح في طريق عودته إلى إيبارشيته، وعقد البابا ثيؤفيلس مجمعاً بالقرب من خلقيدونية في مكان يدعى بالسنديانة، ونفى القديس يوحنا ذهبي الفم، رغم سخط شعب القسطنطينية على ذلك الأمر وترك البابا ثيؤفيلس القسطنطينية راجعاً إلى الإسكندرية، وفي ليلة النفي حدثت زلزلة عظيمة كادت أن تقضي على المدينة.
 
أما القديس يوحنا ذهبي الفم فقد بقي في منفاه حتى تنيح عام 407م، وأما الأخوة الطوال فقد تم الصلح بينهم وبين البطريرك فيما بعد، وبعد أن وجد ديسقوروس أسقف هرموبوليس قد تنيح ولم يبق سوى  أمونيوس أخوه الذي حمل إلى السنديانة أثناء عقد المجمع وهو يحتضر، فلما رآه البطريرك في حالة الموت ذرفت عيناه دمعاً من شدة التأثر وزال من قلبه كل جفاء.
 
ولقد أفصح البابا ثاؤفيلس بعد تلك الأحداث، وبعد أن صفح عن الرهبان وسمح بعودتهم إلى برية نتريا عن تأثره وندمه على تورطه مرغماً في أحداث قضية نفي القديس يوحنا ذهبي الفم واثنى على محبته، لقد دّخَلت مشكلة "الأخوة الطوال مع البابا ثيؤفيلس الإسكندري" حياة القديس يوحنا ذهبي الفم، فدفعت به دفع إلى عداوة البابا ثيؤفيلس استغلتها الإمبراطورة أفدوكسيا لتحقيق مآربها …، فدخل الذهبي الفم إلى الإستشهاد وتشوه تاريخ البابا ثيؤفيلس وبالرغم من كل ما قيل من المؤرخين عن مشكلة نفي القديس يوحنا ذهبي الفم، ودور البابا ثيؤفيلس فيها خاصةً وأن أغلب المصادر التي أعتمد عليها التاريخ الكنسي في هذه المشكلة جاءت عن مؤرخين أعداء للبابا ثيؤفيلس، صبوا كل غضبهم عليه من أجل ظلمه للبطريرك يوحنا ذهبي الفم، إلا أنه وللحقيقة فقط ولأجل التاريخ والأجيال التالية من بعدنا هو أن كليهما من القديس يوحنا ذهبي الفم والقديس البابا ثيؤفيلس - تجلهما الكنيسة القبطية وتذكرهما في مجمع القداس الإلهي، كما أنها سجلت تذكاراتهما في السنكسار القبطي – وهما الأن يتمتعان بأحضان القديسين في فردوس النعيم في أنتظار مجئ مخلصنا الصالح القدوس لأن وحده هو الحاكم والديان العادل.
 
ليس المقصود هنا تخفيف أخطاء البابا ثيؤفيلس، ولكن يمكن القول مع العالم "كواستين" أستاذ التاريخ الكنسي وعالم الآثار المسيحية وأحد لاهوتي الغرب في القرن العشرين: " على أي الأحوال يلزمنا بكل عدل أن نذكر أن أغلب معلوماتنا قد جاءت إلينا من أعداء ثيؤفيلس خاصة بالاديوس وأرنوبيوس ودوريت والبابا ليون الكبير …" كما أن الكثيرين تجاهلوا - خاصة بالاديوس – أعمال البابا ثيؤفيلس في مقاومة الوثنية واهتمامه برعاية شعبه واهتمامه الزائد ببناء الكنائس وترفقه وطول أناته مع الأوريجانيين ( قبل مجمع السنديان ) وموقفه المشّرف في إعادة الشركة بين أنطاكية ومصر، وأنطاكية وروما، كما تجاهل المؤرخون الكشف عن الظروف المحيطة به في تصرفاته …، فالأمر يحتاج إلى دراسات جديدة غير متحيزة للتعرف على شخصيته كما يليق وفي غير تحيز، ودون الإنفعال الحاد بخطأه تجاه القديس يوحنا ذهبي الفم وبعض رهبان نتريا فلننظر يا أخوتي ما أعظم فخر الرحمة في الدينونة، ولنعظم إلهنا العظيم الأبدي واضع شريعة الكمال لتفرده بالكمال المطلق وحده.