بقلم الأب يسطس الأورشليمى
  يقول القديس مقاريوس الكبير: [لقد تنازل اللَّه غير المنحصر، الجائز كل إدراك، صلاحًا منه ولبس أعضاء هذا الجسد، وتخلى عن المجد الذي لا يمكن الدنو منه... صار جسدًا واتحد به ليأخذ إليه النفوس المقدسة المقبولة الأمينة، ويصير معها روحًا واحدًا كقول الرسول بولس (١ كو ٦: ١٧)... لتعيش النفس باتفاق تام، وتتذوق الحياة الخالدة وتصير شريكة في المجد الذي لا يفسد].
 
أن غاية التجسد أن نتعرف على ربنا مخلصنا ونقبل الشركة معه، مقدمًا رأسمالها كله أي النور، وأما مساهمتنا نحن الذين في الظلمة والضعف، فباتحادنا مع النور تزول ظلمتنا لنسلك في النور.
 
وأن يكون لنا شركة وتمتع بالحياة والفرح: "ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به" .
تتلخص رسالة ربنا يسوع في تقديم نفسه للبشرية لكي يقبلوه رأسًا غير منفصلٍ عنهم ولا هم عنه، بل يصيرون من لحمه وعظامه (أف ٥: ٣٠)، أعضاء حية في جسده السري.
 
 يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [والآن نحن الذين قبلاً حُسبنا غير مستأهلين البقاء في الأرض (تك 6: 7) رُفعنا إلى السماوات. نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضي، نصعد إلى ملكوت السماوات وندخل السماوات ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهي.]
 
 
  لقد أماتت الخطية النفس البشرية إذ حجبتها عن اللَّه مصدر حياتها، فجاء الابن الكلمة متجسدًا. واهب الحياة نفسه نزل إلينا ومات عنا وقام وصعد بقوة سلطانه، حاملاً إيانا على كتفيه كغنائم حية كسبها المنتصر الغالب الموت والظلمة، داخلاً بمجد عظيم، لا بمفرده بل حاملاً المفديين، لنكون معه ونتمتع به في السماويات.
 
لم تكن عملية التجسُّد غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة للغاية، وهي خلاص البشر، لأن الإنسان بسقوطه في خطية العصيان والتعدي وعدم الثقة في قول الله، فد فصل نفسه عن الله، وأفقد نفسه كل القدرة على تدبير خلاصه بنفسه. لهذا السبب أخذ الله على نفسه مسئولة خلاص الإنسان. من أجل ذلك حدث التجسّد. 
 
 لأن الله الكـلمة هـو الوحيد الذي يستطيع أن يعيد خـلق الإنسان مرة ثانية، لذا يقول الإنجيل: "إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ " (2كورنثوس5: 17).
 
لأن إذ قام الفخاري بصنعة وعاء وفسد الوعاء بعد ذلك، إلا يقوم يأخذ الوعاء الذي فسد على الدولاب ليعيد تصنيعه مرة ثانية؟ يقول الإنجيل: " فَفَسَدَ الْوِعَاءُ الَّذِي كَانَ يَصْنَعُهُ مِنَ الطِّينِ بِيَدِ الْفَخَّارِيِّ، فَعَادَ وَعَمِلَهُ وَعَاءً آخَرَ كَمَا حَسُنَ فِي عَيْنَيِ الْفَخَّارِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ" (إرميا18: 4). هكذا الله، الكلى الصلاح، لم يهمل الجنس البشري صنعة يده، ولم يتركه للفساد، والموت والهلاك، لذلك اِتَّخاذ جسداً يموت عن الجنس البشري، ليعيد خلق الإنسان مرة ثانية فيعود إلى الشركة والاتحاد مع الله، ويحيا في حياة أبدية.
 
     بما أن هذه عملية، إصلاح الوعاء لا يقوم به إلا الفخاري الذي صنع الوعاء، هكذا لا يستطيع أحدٌ أن يعيد خلق الإنسان إلا الله الكلمة وحده. لذلك يقول الإنجيل: "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ " (أفسس2: 10). 
 
 لكي يستطيع الله الكلمة أن يُكمل الناموس الذي أعطي لموسى. يقول السيد المسيح: " لا تَظنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأَكَمِّلَ" (متي5: 17).
 
والسؤال ماذا كان يعني السيد المسيح من تكميل الناموس؟ إن الناموس كان يطلب بموت الإنسان، أو تقديم ذبيحة بدلاً عنه. ولإمكان تقديم ذبيحة عن الأجساد ، تليق وتتفق مع مطالب الناموس والعدالة الإلهية (راجع كتاب كفارة المسيح لعوض سمعان)، اِتّخاذ المسيح جسداً مشابهاً لنا، كما يقول الإنجيل: " فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلادُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِاَلْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أَولئِكَ الَّذِينَ – خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ – كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ" (عبرانيين2: 14و15).
 
 
لأن المسيح بذبيحة جسده وضع حداً حكم للموت الذي كان قائماً ضدنا، وسدد مطالب الناموس والعدالة الإلهية فصار إكمال الناموس بتجسّد الله الكلمة.
 
 تجسّد المسيح لإمكان تحقيق الغرض من خلق الإنسان، وهو الشركة والاتحاد مع الله. إن الفساد والموت ( الهلاك ) الذي دخل الطبيعة البشرية ، لم يكن خارج الجسد،  
 
بل ضارباً فيه، حتى ملك الموت في الإنسان. لذلك يقول الإنجيل: "لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذاً مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لا لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ " (2كورنثوس5: 14و15). فالحياة لأجل الله هي بنفسها التي تقودنا يوم فيوم للاتحاد والشركة التام من خلال مواعيد الله، حتى نصل لقول الإنجيل: "كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلُّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعظُمْىَ وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةٍ " (2بطرس1: 3و4).
 
حيث أن اتحاد الإنسان بالله لا يخرج الإنسان عن إنسانيته فيُصيح إلهاً. فإن ما يتحصل عليه الإنسان من الاتحاد بالله هو الحصول على كمال صورة الله فيه، والتي من أجلها وبها يسترد الإنسان كل ما كان له من قدرة على الاتحاد بالله. فتجسّد الله الكلمة لم يجعل الإنسان يسترد شركته واتحاده بالله فقط، بل تجسَد الله الكلمة وبقاءه في جسد الإنسان، الذي به يجلس المسيح الآن عن يمين العظمة في الأعالي أعطي ضماناً أبدياً للإنسان لتكميل الاتحاد والثبوت فيه.  
 
 لقد تجسد المسيح لاكتمال إعلان الله للبشر. لقد خلق الإنسان على صورة الله ليعرف الله، ولكن لما سقط الإنسان تحت سلطان الموت والفناء، صار جهلاً لله، وسادت أكثر الخطية، فحجبت معرفة الإله الحقيقي، فما الذي كان يفعله الله؟ أيسكت أمام الأمر، ويدع البشر يضلون بتأثير الشيطان وملائكته، ولا يعرفون الله؟ ما هي الفائدة من خلق الإنسان أصلاً على صورة الله؟ وأية منفعة للإنسان أو الخليقة لو أنهم لم تعرفوا الله؟ كيف يكون الإنسان عاقلة بدون معرفة الإله الذي أوجده في الحياة؟ أليس خيرٌ للإنسان لو أنه خلق على صورة البهائم العديمة النطق، أو كباق الخليقة الغير ناطقة كالجماد، من أن يخلق عاقلاً ناطقاً ثم يعيش كالبهائم؟ لذلك يقول الإنجيل: "وَالإِنْسَانُ فِي كَرَامَةٍ لا يَبِيتُ. يُشْبِهُ الْبَهَائِمَ الَّتِي تُبَادُ " (مزمور49: 12و20). وماذا ينتفع الله الذي خلقهم، وكيف يمجدوا الله إن كان الجنس البشري لا يعبده؟  لذلك عُرف أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف ويدرك الله وحده، لذلك تحنن الله على الجنس البشري، في صلاحه أرسل إليهم أعلاناته، بها يكلَّم الإنسان، فيقول الإنجيل: "اللهُ، بَعْدَمَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ " (عبرانيين1:1و2).
 
   لم تكن غاية الله من التجسّد أن يوفر الفداء لبني البشر فحسب، بل كانت الغاية أيضا أن بعلن عن ذاته بصورة أكثر كمالاً مما أوضحه كل الأنبياء، الذين أرسلهم الله ليكلم البشر، فالمسيح هو نهاية وكمال الوحي الإلهي للبشر، فهو الوحيد الذي يخبرنا عن الله، " اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَـدٌ قَطُّ . اَلابْـنُ الْوَحِـيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ " (يوحنا 1: 18). الله الذي هو الروح غير المحدود، كشف عن نفسه للبشر في كونه قد صار على هيئة البشر المحدودة، حتى أنه في استطاعة البشر المحدودين أن يدركوه في نطاق قدرتهم المحدودة.
 
 تجسّد الله الكلمة لكي يجذب أنظار البشرى إليه كآدم الأخير، وبذلك يقوده مرة ثانية للخضوع أمام الله، لكي يكون الكل لله، وهذا ما يعلنه الإنجيل: "وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ"  (العبرانيين1: 6). لذلك يقول السيد المسيح : " وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَى الْجَمِيعَ" (يوحنا12: 32)، ثم يتحدث الإنجيل عن عمل المسيح قينا، قائلاً:  "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْراً بَيْنَ إخْوَةٍ كَثِيرِينَ" (رومية8: 29). وأيضاً يقول : " لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ ، فَـلِهذَا السَّبَبِ لا يَسْتَحِي أَنْ يَـدْعُوَهُمْ إخْوَةً " ( عبرانيين2: 11). "لأَنَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْـتَ قَدَمَيْهِ … وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الكُلُّ ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضاً سَيَخْضَعُ لِـلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُـلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الكُـلَّ فِي الْكُلِّ " (1كورنثوس15: 27و28).