افتتاحية – الأقباط متحدون
بقلم: شريف منصور
رئيس تحرير موقع الأقباط متحدون
 
لا يمكن لأي دولة أن تزعم محاربة الإرهاب بينما تقمع ضحاياه الحقيقيين. فحين تتحول السلطة إلى طرف يبرر الاضطهاد الديني، أو يتغاضى عنه، أو يعيد توصيفه باعتباره “احتكاكات مجتمعية”، فإنها لا تواجه التطرف، بل تصنع له بيئة آمنة وتمنحه شرعية غير مباشرة.
 
وهذا الواقع ينطبق بوضوح على دول في الشرق الأوسط،  حيث يتعرض المسيحيون، وبخاصة الأقباط، إلى تحرش ديني ممنهج ويومي، تحت سمع وبصر الدولة، وبأدوات قانونية يفترض أنها وُجدت للحماية لا للقمع.
 
 
الدستور المصري نفسه يُدين الممارسات الرسمية
المفارقة الصادمة أن الدستور المصري يفضح هذا التناقض بوضوح.
 
المادة (53) تنص صراحة على المساواة وعدم التمييز بسبب الدين،
لكن الواقع يؤكد تمييزًا ممنهجًا في تطبيق القانون، حيث يُفلت الجناة في قضايا العنف الطائفي، ويُضغط على الضحايا الأقباط للقبول بـ“جلسات صلح عرفية” بدل إنفاذ العدالة.
 
المادة (64) تكفل حرية العقيدة وممارسة الشعائر،
ومع ذلك تُغلق كنائس، وتُقيَّد الصلاة، ويُربط الحق الدستوري بموافقات أمنية ورضا “مجتمعي” لا يُطلب من غير المسيحيين.
 
أما المادة (235)، التي ألزمت الدولة بإصدار قانون عادل لبناء الكنائس، فقد أُفرغت من مضمونها عبر قانون 80 لسنة 2016، الذي قنّن التمييز بدل إنهائه، وحوّل الحق الدستوري إلى امتياز أمني.
 
هذه ليست تجاوزات فردية، بل سياسة ثابتة.
 
 
القانون كسلاح ضد الضحية
يُستخدم قانون ازدراء الأديان (المادة 98 و من قانون العقوبات) عمليًا ضد مفكرين ومواطنين مسيحيين، بينما يُترك خطاب التحريض والتكفير دون مساءلة حقيقية.
 
كما أن فرض جلسات الصلح العرفية في جرائم حرق الكنائس والتهجير القسري يمثل تعطيلًا متعمدًا للقضاء، ومكافأة للجناة، ورسالة خطيرة مفادها:
 
الاعتداء على المسيحيين بلا عقاب.
 
وهذا ليس فشلًا أمنيًا، بل سياسة أمنية فاشلة تُنتج التطرف بدل أن تحاصره.
 
من اضطهاد الأقباط إلى تصدير التطرف
الدول التي تقمع المسيحيين في الداخل وتُهادن الإسلام السياسي لا تحتفظ بالمشكلة داخل حدودها.
إنها تُصدّر الأيديولوجيا نفسها إلى أوروبا وكندا عبر:
 • جمعيات “خيرية” ممولة خارجيًا،
 • مراكز دينية بلا رقابة حقيقية،
 • وشبكات ضغط سياسي تعمل ضد قيم المجتمعات الغربية.
 
والنتيجة باتت واضحة:
 • تصاعد الاعتداءات على الكنائس،
 • تهميش الصوت المسيحي،
 • وتوسّع خطاب ديني متشدد تحت غطاء الحريات.
 
مسؤولية دولية لا يمكن إنكارها
مصر دولة موقعة على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وعلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكلاهما يضمن حرية الدين والمساواة أمام القانون.
 
ما يتعرض له الأقباط ليس شأنًا داخليًا، بل خرق قانوني ودستوري والتزام دولي مُهدَر.
 
والدول الغربية التي تواصل دعم أنظمة تمارس هذا القمع باسم “الاستقرار” تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن نتائجه، داخل المنطقة وخارجها.
 
 
الخلاصة
قمع المسيحيين ليس قضية أقلية، ولا ملفًا حقوقيًا ثانويًا.
إنه تهديد مباشر للأمن القومي والإقليمي والدولي.
 
الدولة التي تُسكت الضحية وتكافئ المعتدي لا تحارب الإرهاب، بل تخلق شروطه المثالية.
ومن يظن أن الكنائس التي تُحرق اليوم في الشرق الأوسط لن يكون لها صدى غدًا في شوارع أوروبا وكندا، فهو يكرر أخطاء الماضي نفسها.
 
هذه ليست صرخة دينية.
إنها افتتاحية تحذير.