أحمد الخميسي 
2026 عام جديد يتجدد فيه الأمل، رغم جرح غزة النافذ العميق، ورغم الجراح الشخصية والانسانية العامة، يتجدد الأمل وينمو على حافة رماح الغزو والإبادة والطغيان، وينمو في قاع اليأس، لأننا لا نملك سوى الأمل، نقاتل به،  وتشتعل بلا نهاية شموع الأماني التي لم تتحقق، يهتز ضوؤها مثل إرتجافة شفاه تبتهل أن يكون العام الجديد شمسا وبحرا تجري عليه مراكب أحلامنا.
 
وقد تكون أحلامنا أحلاما صغيرة، مثل أمنيتي التي لم تتحقق أن يكون عندي كوخ على نهر يمنحني الشعور بأني أسبح في الكون الشاسع وأعود منتعشا إلي الأرض. لكن هل أننا نبحث عن السعادة وهي قريبة منا كما قال تولستوي" مثلما نبحث عن النظارة وهي فوق عيوننا"؟.
 
ربما يكفي الإنسان امتلاء شعوره بالصحة والسلامة؟ ولكن الأرجح أن الانسان لا يشبع من سحر الخيال، فيمد يديه إلي أحلام أبعد من سعادته الخاصة وأكبر من بيت على نهر أو أسرة سعيدة. بعض أحلامنا لا يرى النور، يجف في الروح مثل زهرة مضغوطة بين أوراق كتاب.
 
من أحلامي الراسخة أن أرى الناس وقد تخلصوا من الأمية، وأن أشهد يوما أبصر فيه كتابا بيد كل مواطن، أو بطاقة دخول إلي المسرح، أو أن ألمح فكرة نيرة في عقله، أو شعورا بحب الآخرين. معظم الأحلام الكبيرة يستحيل تحقيقها من دون محو الأمية، مطلب النهضة الذي انقضى عليه نحو مئتي عام منذ أن كتب محمد على رسالة إلي إبنه إبراهيم باشا سنة 1833 يقول له ” إن محاولة النهضة لا تبدأ بتزويد الشعب بالكتنيات أو البنطلونات الضيقة، وبدلا من البدء بالملابس كان الأجدر بالباب العالي أن يهتم أولا بتنوير الأذهان”! مازلنا بعد مئتي عام إزاء المعضلة ذاتها ” تنوير الأذهان”! وتنوير النفوس، والأرواح، لكي يكبر الانسان أبعد من ذاته ويصبح الكثيرين وليس فردا واحدا.
 
يتجدد الأمل بحلول العام الجديد، وتتجدد الرغبات، وتنمو، وتتفتح، ونظل أمناء على أحلامنا، بالتنوير، والعلم، والثقافة، والايمان بالغد.
 
من دون ذلك نموت تماما، وتكف القيثارة عن عزف ألحانها.  يمكننا أن نعيد إلي الميادين أكشاك الموسيقى التي ظهرت في زمن ما واختفت، و أن ننفخ الحياة في قصور الثقافة وأن تقوم تلك القصور بدورها في توجيه الشوارع والأحياء الشعبية ومدها بشاشات عرض وفرق موسيقية وشعراء ومنشدين.
 
ليس لنا قلب شاعر كبير مثل صلاح جاهين لنحلم لمصر ب ” تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا”، لكن ألا يمكننا أن نحلم بمحو الأمية؟! لماذا لا يقوم المثقفون والأحزاب التقدمية بطرح وتبني المشروع ودفعه إلي حيز الواقع بحشد أكبر عدد ممكن من الطلاب والمتعلمين في كل الأحياء حول الفكرة؟ لماذا يقتصر عمل المثقفين على كتابة الروايات؟! أليست إعادة كتابة الواقع عملا إبداعيا ؟! أفتح كتاب الروح مع مطلع العام الجديد، فتتمايل نحوي أشواق إلي الحياة مثل زهرة تتطلع الى النور مرتوية من الأمل العميق.