هاني صبري – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
أثار قانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشرف عليها، وتعديلاته اللاحقة، وهو القانون الذي نظم شؤون الأزهر وأكد على استقلاليته، لكنه وضع حداً أقصى لبقاء شيخ الأزهر في منصبه، قد يحدث جدلاً واسعاً خلال الأيام القادمة خصوصاً فيما يتعلق بمدة بقاء شيخ الأزهر في منصبه بعد بلوغه سن الثمانين، مع إمكانية التجديد بقرار من رئيس الجمهورية بناءً على طلب من شيخ الأزهر نفسه، ولمرة واحدة فقط.
حيث تنص المادة (6) من القانون على أن اختيار شيخ الأزهر يكون من بين أعضاء هيئة كبار العلماء، ويصدر قرار تعيينه من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي مجلس النواب.
كما نصت المادة (6 مكرراً) على أن “تنتهي مدة شيخ الأزهر ببلوغه سن الثمانين، ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية بناء على طلب من شيخ الأزهر مد مدة خدمته لمدة لا تزيد على سنة قابلة للتجديد لمرة واحدة”.
وبذلك، فإن المشرع وضع سقفاً زمنياً واضحاً لبقاء شيخ الأزهر في منصبه، بما يحقق معادلة دقيقة بين الاستقرار المؤسسي والتجديد في القيادة الدينية.
ينبغي قراءة هذه المسألة في ضوء الدستور المصري، الذي أرسي مجموعة من المبادئ الحاكمة:
1. مبدأ سيادة القانون (المادة 94 من الدستور): يؤكد أن الدولة تخضع للقانون، وأن التشريع هو الأداة لضبط الهياكل المؤسسية الكبرى، ومنها الأزهر الشريف.، وتحديد مدة المنصب يحقق مبدأ التداول وضمان الاستمرارية.
2.مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص (المادة 53): تحديد سن التقاعد أو الحد الأقصى للوظائف العامة يندرج ضمن هذا الإطار، بما يضمن مبدأ المساواة، ويمنع التمييز أو احتكار المنصب مدى الحياة.
3. استقلال الأزهر (المادة 7 من الدستور): ينص على أن الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يتولى مسؤولية الدعوة الإسلامية ونشر علوم الدين واللغة العربية، وهو ما يتطلب قيادة متجددة قادرة على مواكبة تحديات العصر.
4. الأسس الدستورية للتشريع: أي تنظيم تشريعي يجب أن يراعي المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية التشريع (المادة 4 من الدستور)، وهو ما يبرر فرض حد أقصى لبقاء القيادات الدينية في مواقعها.
إن تحديد مدة بقاء شيخ الأزهر لا يُعد انتقاصاً من مكانته أو دوره التاريخي، بل هو ضمان لفاعلية المؤسسة نفسها. فالأزهر مؤسسة علمية ودعوية عابرة للأزمان. والتجديد الدوري للقيادة يعزز حيويتها، ويواكب التحديات الفكرية المتجددة التي تواجه الإسلام والمسلمين في الداخل والخارج.
تقييد مدة ولاية شيخ الأزهر يحافظ على طابعها المؤسسي المستقل. وتعزيز المشاركة المؤسسية: فتح المجال لتداول القيادة بين علماء الأزهر يثري التجربة الدينية والفكرية.
رغم وضوح النصوص القانونية والدستورية، إلا أن الواقع يطرح تساؤلات منها :
أليس من مقتضيات العصر أن يكون هناك تداول في القيادة الدينية كما هو الحال في القيادة السياسية والإدارية؟
ومن ثم، فإن إعادة النظر في مدة ولاية شيخ الأزهر، أو إيجاد آلية أكثر مرونة لتجديد الدماء داخل المؤسسة، يعد مطلباً دستورياً، وقانونياً، ومجتمعياً في آنٍ واحد.
إن تحديد سن لولاية شيخ الأزهر ليس تقليلاً من مكانته أو من رمزيته، بل هو تعزيز لمكانة الأزهر نفسه، وضمان لاستمرار دوره الريادي كمنارة للوسطية الإسلامية. فالتجديد سنة كونية، والمصلحة العليا للأزهر تقتضي أن تكون القيادة دورية، لتبقى المؤسسة قادرة على العطاء جيلاً بعد جيل.





