دكتور بول غبريال - راعي الكنيسة العربية الكتابية - شيكاجو
قيمة الإنسان عند الله ليست بما يحققه من إنجازاتٍ ظاهرة، ولا بما يتركه من آثارٍ يراها الناس، بل بما يحمله قلبه من "أمانة"، وبما يعيشه من "طاعةٍ وثباتٍ في السير مع الله" مهما تغيّرت الظروف وتعاقبت العواصف.
فالإنجاز قد يُقاس بالنتائج، أمّا الأمانة فتُقاس بالقلب، وبالاستمرار في الدعوة، وبالإخلاص في المسيرة حتى النهاية.
وحينما نتأمل تاريخ رجال الله في الكتاب المقدس، نكتشف أن كثيرين منهم عاشوا أمانةً عميقة، لكنهم لم يروا بأعينهم اكتمال كل ما حلموا به أو اشتاقوا إليه. ومع ذلك، كانوا "ناجحين" بحسب المقياس الإلهي.
موسى، رجل الله العظيم، عاش حلم الدخول إلى أرض الموعد، وقاد شعب الله أربعين سنة في البرية وسط تمردات وتجارب وتحديات لا تُحصى. ومع هذا، لم يُسمح له أن يعبر إلى الأرض، بل مات قبل تحقيق الحلم. فهل كان موسى فاشلاً؟ حاشا.
الكتاب المقدس يعلنها بوضوح:
«وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ أَمِينًا فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ» (عبرانيين ٣: ٥).
لقد كان أمينًا في دعوته، ثابتًا في رسالته، مطيعًا حتى النهاية، ولذلك كان ناجحًا في نظر الله، حتى وإن لم تكتمل الصورة كما كان يتمنى.
وداود الملك أيضًا، اشتعل قلبه برغبة مقدسة أن يبني بيتًا للرب، هيكلًا يليق بمجد الله. لكن الله لم يسمح له أن يحقق هذا الحلم بيديه.
ومع ذلك، لم يتذمر داود، ولم ينسحب، ولم يفقد غيرته، بل أعدّ كل شيء بأمانة: المواد، والترتيبات، والرؤية، ليُكمِل ابنه سليمان العمل. لم يبنِ داود الهيكل، لكنه عاش أمينًا لرؤية الملكوت.
ويشهد عنه الرب قائلاً:
«وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رَجُلًا حَسَبَ قَلْبِي، الَّذِي سَيَصْنَعُ كُلَّ مَشِيئَتِي» (أعمال الرسل ١٣: ٢٢).
هؤلاء الرجال في نظر الله - رغم ضعفهم وعثراتهم - كانوا ناجحين بحق، لا لأنهم حققوا أحلامهم الشخصية، بل لأنهم اختاروا طريق الأمانة، وثبتوا في دعوة الله، وقدموا مشيئته على رغباتهم. سقطوا أحيانًا، وتعثروا أحياناً أخري، لكنهم لم يفقدوا ثقتهم في إله الأمانة، بل قاموا، وتابوا، واستمروا في السير معه.
وهكذا يدعونا الله اليوم أيضًا: أن نكون أمناء،
حتى وإن لم نفهم الطريق،
وحتى وإن لم تتحقق كل أحلامنا،
وحتى وإن لم نرَ الثمر كاملًا في حياتنا.
فالرب لا يطلب منا أن ننجح بمعايير العالم، بل أن نكون أمناء في ما استودعنا عليه. وكما قال الرب يسوع:
«نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالْأَمِينُ… كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ، فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ» (متى ٢٥: ٢١).
الأمانة عند الله لا تضيع أبدًا، بل لها وعد أكيد ومكافأة أبدية:
«كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ، فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» (رؤيا ٢: ١٠)





