ق / اسطفانوس زكى
يُعَدّ ميلادُ يسوعَ المسيحِ النقطةَ المركزية في خطةِ اللهِ للخلاص، إذ انه لم يكن حدثًا عابرًا في التاريخ، بل نتيجة إعدادٍ إلهيٍّ طويل امتدّ من نبواتِ العهدِ القديم إلى الظروفِ التاريخيةِ والاجتماعيةِ التي هيّأت العالمَ لاستقبالِ المخلّص.
لقد جاء الميلادُ نتيجةً للتدبيرِ الإلهيِّ الذي جمع الأزمنةَ والأمكنةَ والبشر، ليُتمِّم اللهُ وعده في توقيته الكامل.
أولًا: نبوات العهد القديم
بدأ الإعدادُ الإلهي منذ فجرِ التاريخ بل قبله، حيث قدّمت نصوصُ العهدِ القديم إعلانًا متدرّجًا عن هويةِ المخلّص وصفاتِه وأصلِه ومكانِ ميلادِه:
١. الوعد الأول بالخلاص
يعلن سفرُ التكوين: «نسلُ المرأة يسحق رأسَ الحيّة» (تك ٣: ١٥)، واضعًا منذ البداية الأساسَ اللاهوتيَّ للخلاص، ومعلنًا انتصارَ الله الحاسم على الشر عبر شخصٍ آتٍ من نسلٍ بشري.
٢. سلالة داود ونبوة عن المسيح الملك
تشير نبوةُ تكوين ٤٩: ١٠ إلى سبطِ يهوذا بوصفه حاملَ الرجاءِ المسياني، وهو ما استقرّ لاحقًا في نسلِ داود، حيث ارتبط الرجاءُ بالخلاص بالملكِ العادل الذي يحكم بالبر.
٣. الميلاد من عذراء
يعلن إشعياءُ النبي: «ها العذراء تحبل وتلد ابنًا» (إش ٧: ١٤)، مؤكدًا أن الخلاصَ عملٌ إلهيٌّ فائقٌ للطبيعة، يتمّ بتدخّلٍ مباشرٍ من الله، وحضورٍ إلهيٍّ وسط البشر.
٤. تحديد مكان الميلاد
يحدّد ميخا النبي بيتَ لحم (ميخا ٥: ٢) موضعًا لميلاد المخلّص، بما يؤكّد أن التجسّد لم يكن عشوائيًا، بل خاضعًا لإعلانٍ إلهيٍّ سابق.
٥. صفات المخلّص
ترسم نبواءتُ إشعياء ٩ ؛؛ و١١ صورةَ الملكِ العادل، رئيسِ السلام، والعجيبِ المشير، الذي يجمع بين السلطانِ الروحيِّ والبرِّ الإلهي.
وتُظهر هذه النبواتُ أن كلَّ تفاصيلِ ميلادِ المسيح كانت متوقَّعةً بدقة، وأن الوحيَ الإلهيَّ أقام خارطةً زمنيةً ولاهوتيةً متكاملةً لا يمكن للصدفة أن تُحققها.
ثانيًا: «لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه» (غل ٤: ٤)
يستخدم الرسولُ بولس عبارةَ «لما جاء ملء الزمان» ليعبّر عن لحظةٍ تاريخيةٍ بلغت فيها البشريةُ المرحلةَ التي تؤهّلها لاستقبالِ حدثِ التجسّد؛ أي حين جاء الوقتُ المناسبُ في قصدِ الله. وقد اشترك في هذا الإعداد ثلاثةُ أبعادٍ رئيسية:
١. الإمبراطورية الرومانية
وفّرت الإمبراطوريةُ الرومانية نظامًا إداريًا وقانونيًا منظمًا، وشبكةَ طرقٍ فعّالة، وساد السلامُ الرومانيىانحاء الامبراطورية، مما سهّل حركةَ الأشخاص وانتقالَ الرسالةِ المسيحية لاحقًا في أرجاءِ العالمِ المعروف فى ذلك الوقت
٢. الثقافة اليونانية
سادت اللغةُ اليونانيةُ العالمَ القديم كلغةٍ عالميةٍ للتواصلِ والمعرفة، مما أتاح تدوينَ الأناجيل والرسائل بلغةٍ مفهومةٍ لكلِّ الأمم، كما هيّأ الفكرُ الفلسفيُّ اليونانيُّ العقلَ البشريَّ لطرحِ الدينية والفلسفية .
٣. الواقع الديني اليهودي
جعلت العبادةُ في الهيكل، والمجامع، والناموس، والتوقّعُ المسياني، الشعبَ في حالةِ انتظارٍ دائمٍ للمخلّص.
ثالثًا: أحداث الميلاد واتمامً الإعداد الإلهي
ظهر وتجسد الإعدادُ الإلهيُّ في أحداثٍ واقعيةٍ منها :
١. بشارة العذراء مريم
تمثّل بشارةُ الملاك جبرائيل لمريم العذراء لحظةً فاصلةً في التاريخِ الخلاصي، حيث يلتقي الوعدُ الإلهيُّ بالطاعةِ الإنسانية. فقد أُعلن أن التجسّد مبادرةٌ إلهيةٌ خالصة، وأن الخلاصَ يتمّ بالنعمة لا بالاستحقاق، وبالإيمان لا بالقوة، فقبلت مريمُ الدعوةَ في تواضع قائلة «هوذا أنا أمةُ الرب لوق ١: ٤٨».
٢. الميلاد في مزود
جاء ميلادُ يسوع في بيتِ لحم، لا في قصرٍ أو موضعِ مجدٍ أرضي، بل في مزود، ليعلن طبيعةَ الملكوت القائم على الاتضاع والتجرّد، حيث اقترب اللهُ من الإنسان في أضعفِ حالاته.
٣. الجند السماوي والتسبيح الإلهي
أُعلن خبرُ الميلاد للرعاة عبر ظهورِ الملائكة وترنيمِ الجند السماوي: «المجدُ لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة»، معلنًا أن السلامَ الحقيقيَّ بين الناس والمسرة تبدأ من المصالحةِ مع الله.
٤. الرعاة
كان الرعاةُ أولَ من تلقّى الإعلان وأولَ من شهد للميلاد، في إشارةٍ واضحةٍ إلى أن الخلاصَ موجّهٌ إلى الجميع، ولا سيّما البسطاء والمهمّشين.
٥. المجوس
يأتي المجوسُ من المشرق رمزًا للأمم الباحثة عن الحق، فيسجدون للمولود ويقدّمون هدايا تعبّر عن شخصه ورساليته، معلنين منذ البداية شموليةَ الخلاص واتساعَه لكلِّ الشعوب.
رابعًا:شخصيات الميلاد
لم يكن الإعدادُ الإلهيُّ أحداثًا فقط، بل أشخاصًا أعدّهم الله ليكونوا شهودًأ اعداد الله :
* يوحنا المعمدان: صوتُ النبوة الأخير، الذي هيّأ الطريقَ للمسيح ودشّن الانتقالَ من العهدِ القديم إلى الجديد.
*مريم العذراء: نموذجُ الطاعةِ والإيمان، التي قبلت الدعوةَ الإلهية دون مقاومة، فصارت آنيةَ التجسّد.
*يوسف النجار: رجلُ البرِّ والطاعةِ الصامتة، الذي حفظ سرَّ التجسّد ورعى الطفلَ يسوع.
*زكريا وأليصابات: شاهدان على أمانةِ الله في تحقيقِ وعوده رغم العقم وطولِ الانتظار.
*سمعان الشيخ: رمزُ انتظارِ الرجاء، الذي رأى الخلاصَ بعينيه قبل رحيله.
*حنة النبية: صوتُ التسبيحِ والشهادة، التي أعلنت الفداءَ لكلِّ المنتظرين.
وهكذا تتكامل النبوةُ والتاريخ، والأحداثُ والأشخاص، ليظهر ميلادُ يسوعَ المسيح قمة الإعدادِ الإلهي، حيث التقت السماءُ بالأرض، ، ليُعلن اللهُ في ملءِ الزمان خلاصَه الكاملَ للإنسان.
إن التأمّل في ميلادِ المسيح بوصفه ثمرةَ إعدادٍ إلهيٍّ دقيق، يقود الكنيسةَ إلى موقفِ السجود والشكر. فالإلهُ الذي دبّر التاريخ، وهيّأ النبوة، واختار الأشخاص، هو نفسه الذي ما زال يعمل في صمتٍ وأمانةٍ في حياةِ أبنائه.
وفي مزودِ بيتِ لحم نكتشف أن مجدَ الله لا يُقاس بالمظاهر، بل بالمحبة، وأن طريقَ الخلاص يبدأ من الاتضاع وينتهي بالمجد. وحين نفتح قلوبنا كما فعلت مريم، وننتظر برجاء كما انتظر سمعان وحنة، نختبر أن «ملء الزمان» ليس فقط حدثًا ماضيًا، بل واقعًا حيًّا يتجدد كلما وُلد المسيح في قلوبنا بالإيمان.
«المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرّة».
ق / اسطفانوس زكى





