شريف منصور
لم يعد ما يمر به العالم مجرد سلسلة أزمات متفرقة أو توترات عابرة.
نحن أمام حالة هيجان عالمي شامل، تُدار فيها الشعوب كما تُدار الأدوات، وتُختبر فيها المجتمعات كما تُختبر الأسلحة.
من الحروب الاقتصادية إلى الصراعات الطائفية،
ومن الاضطهاد الديني إلى الانقسامات العرقية،
ومن السيطرة الإعلامية إلى توجيه الوعي الجمعي،
العالم لم يعد ساحة تعايش، بل ساحة تجارب مفتوحة على كل الاحتمالات الخطرة.
“اللي تكسب به العب به”
المثل المصري يقول:
“اللي تكسب به العب به”
وهذا هو المنطق الذي يحكم المشهد الدولي اليوم.
القوى المسيطرة تستخدم كل ما تملكه:
• الاقتصاد كسلاح
• الدين كأداة
• الهوية كذريعة
• الإعلام كمنصة توجيه
• الخوف كوسيلة إخضاع
والنتيجة واحدة في كل مكان:
شعوب تُستنزف،
أقليات تُسحق،
ودول تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق القيم.
أمثلة دولية: الهيجان ليس استثناءً… بل قاعدة
الشرق الأوسط: صراعات بلا نهاية
في سوريا، تحوّل الصراع السياسي إلى مأساة إنسانية ممتدة، ملايين بين قتيل ونازح ولاجئ.
في اليمن، حرب بالوكالة دمّرت دولة كاملة باسم النفوذ الإقليمي.
في العراق ولبنان، تُستخدم الانقسامات الطائفية كوقود سياسي دائم.
أما في مصر، فلا تزال الأقليات الدينية، وعلى رأسها الأقباط، تواجه أشكالًا مختلفة من التمييز الاجتماعي والإعلامي والقانوني، رغم الخطاب الرسمي عن “المواطنة” و“الوحدة الوطنية”.
أوروبا: الهوية كسلاح سياسي
في دول أوروبية عدة، تصاعد واضح في:
• خطاب الكراهية
• العداء للأقليات
• استغلال ملف الهجرة انتخابيًا
أصبحت الهوية الثقافية أداة سياسية،
وأصبحت الأقليات كبش فداء لأزمات اقتصادية لا علاقة لها بها.
الولايات المتحدة: انقسام من الداخل
الاستقطاب السياسي الحاد،
التوتر العرقي،
العنف المسلح،
وانعدام الثقة بالمؤسسات
كلها مؤشرات على أن أقوى دولة في العالم ليست محصّنة من التفكك الداخلي.
الصين: السيطرة باسم الاستقرار
في إقليم شينجيانغ، تقارير دولية تتحدث عن:
• معسكرات “إعادة تأهيل”
• قيود دينية
• رقابة شاملة
كل ذلك تحت شعار “الأمن القومي”،
بينما تدفع الأقليات ثمن سياسات السيطرة المطلقة.
أفريقيا: نزاعات منسية
في السودان وإثيوبيا والكونغو،
صراعات عرقية وسياسية تُخلّف آلاف الضحايا،
لكنها لا تحظى بالاهتمام الإعلامي ذاته،
لأنها لا تقع في مركز المصالح الدولية الكبرى.
العالم أصبح قرية… لكن النار أسرع من الضوء
في الماضي، كانت الأزمات محلية.
اليوم، أي شرارة في أقصى الشرق يمكن أن تحرق الغرب خلال ساعات.
• حرب في أوكرانيا → أزمة طاقة عالمية
• توتر في الشرق الأوسط → ارتفاع أسعار النفط
• قرار اقتصادي أمريكي → اهتزاز الأسواق
• صراع ديني → موجات كراهية عابرة للحدود
العالم مترابط،
لكن هذا الترابط لم يصنع الأمان،
بل صنع سلسلة انفجارات متتالية.
من يدفع الثمن؟ دائمًا الشعوب
اللاعبون الكبار يغيّرون الطاولة.
أما الشعوب فتُجبر على اللعب.
• الفقراء يدفعون ثمن العقوبات
• الأقليات تدفع ثمن الصراعات
• المواطن العادي يدفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها
والأخطر أن هذا الواقع يُقدَّم وكأنه “طبيعي”،
بينما هو في الحقيقة منظومة قهر عالمية.
الإعلام: ناقل الحقيقة أم صانع الرواية؟
في كثير من الأحيان، لم يعد الإعلام شاهدًا محايدًا،
بل أصبح جزءًا من اللعبة:
• يضخم صراعًا
• يتجاهل آخر
• يبرر انتهاكًا
• ويُشيطن ضحية
فتتشكل لدى الشعوب صورة مشوّهة،
ويُعاد توجيه الغضب بعيدًا عن الفاعل الحقيقي.
تحليل استراتيجي: لماذا تتكرر الفوضى؟
لأن النظام الدولي الحالي قائم على:
1. إدارة الأزمات لا حلّها
2. استخدام الخوف بدل بناء الثقة
3. توظيف الهويات بدل حماية الحقوق
4. التحكم في الشعوب بدل تمكينها
والأخطر أن هذه الأدوات تُستخدم تحت شعارات:
• الأمن
• الاستقرار
• السيادة
• المصلحة الوطنية
بينما النتيجة واحدة:
مزيد من الانقسام،
مزيد من الاحتقان،
ومزيد من قابلية الانفجار.
نداء أخير: كفى لعبًا بالنار
هذه ليست مجرد مرحلة مضطربة.
هذه لحظة مفصلية في تاريخ البشرية.
إما أن يخرج العالم من دائرة السيطرة على الشعوب،
أو يستمر في الدوران داخل حلقة انفجارات بلا نهاية.
لأن اللعبة لم تعد آمنة،
والأدوات لم تعد محدودة،
والخسائر لم تعد محلية.
الكرة الأرضية اليوم أشبه بغرفة مغلقة،
وأي شرارة فيها
لن تميز بين قوي وضعيف،
ولا بين متحكم وضحية.





