الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

 
(متّى ٣: ١٣-١٧؛ أشعياء ٤٢: ١-٤، ٦-٧)
 
إذا قُرئتْ هذه النصوص اليوم، فلا يمكن فصلها عن عالمٍ يأكله العنف: حروبٌ مفتوحة، شعوبٌ مسحوقة، خطابات كراهية، أنظمة تبرّر القتل باسم الأمن أو الهويّة أو الله نفسه. هنا تكتسب معموديّة يسوع بُعدًا سياسيًّا–لاهوتيًّا عميقًا، كما يقرأه علم اللاهوت.
 
يسوع لا يواجه العنف بعنفٍ مضادّ، ولا يدخل التاريخ قائدًا مسلّحًا، بل عبدًا وديعًا، على صورة أشعياء: «القَصَبَةُ المَرْضوضةُ لن يَكسِرَها». هذا ليس ضعفًا، بل خيارًا جذريًّا ضدّ منطق العالم. في عالمٍ يؤمن بأن القوّة تخلق العدل، يعلن الله عدلًا يُولد من التضامن مع الضحايا.
 
نزول يسوع إلى مياه الأردن هو نزول إلى مياه تاريخٍ جريح: تاريخ المقهورين، والمنسيّين، وضحايا العنف المؤسّسيّ. فحسب لاهوت التحرير مثلًا، الله لا يُرى من علٍ، بل يُعرَف من موقع المكسورين. لذلك لا تنفتح السماء فوق القصور، بل فوق النهر حيث يقف الشعب. الروح ينـزل حيث يُرفَض العنف طريقًا للخلاص.
 
في أعمال الرسل، يعلن بطرس أنّ الله لا يحابي الوجوه. هذه ليست عبارة روحيّة مجرّدة، بل تفكيك لكلّ لاهوت يبرّر العنف باسم الاصطفاء، أو يقدّس حربًا باسم الله. يسوع، الممسوح بالروح، «يجول يصنع الخير»، لا ليُخضع، بل ليحرّر. الخير هنا فعل مقاومة، والشفاء فعل سياسيّ، لأنّه يستعيد إنسانية مَن سلبهم العنف أصواتهم وأجسادهم.
 
من هذا المنظور، معموديّة يسوع ليست لحظة تقوى خاصّة، بل إعلان مواجهة:
مواجهة منطق السيطرة بمنطق البنويّة، ومنطق الحرب بمنطق السلام،
ومنطق القوّة بمنطق الروح.
 
النصّ لا يقدّم حلًّا سحريًّا للعنف، بل يرسم طريقًا: طريق النزول، لا الصعود؛ طريق المشاركة، لا الإقصاء؛ طريق السلام الذي لا يُفرَض بالسلاح، بل يُولَد من عدلٍ لا يسحق، ومن رجاء لا يتواطأ مع الظلم.
 
وهكذا، يظلّ السؤال مفتوحًا أمام الكنيسة اليوم:
هل تنزل إلى مياه عالمنا الجريح؟
 
أم تكتفي بمباركة العنف من الضفّة الأخرى؟