بقلم الأب يسطس الأورشليمى
     يحوي سفر الأمثال..أحاديث عملية توضح كيف يُمارس المُؤمن حياته الرُوحية والاجتماعية، فيجد شبعه وسعادته وعربُون مكافأته الأبدية. 

    يجيب سفر الأمثال على التساؤلات السلُوكية بوضُوح وحزم، فلا يعرف أنصاف الحلُول، بل يكشف عما هُو أسود أو أبيض، ولا يوُجد فيه ما هُو بين الاثنين، أي اللُون الرمادي..

   سفر الأمثال هُو سفر يحوي تجميعاً لخبرات بشرّية قُدمت في شكل أمثال، لتكُون قائداً للإنسان في حياته برُوح التقوى، ويكُون ناجحاً في كُل جوانب حياته، يُقدمه لنا رُوح الله القدُوس..

الله في حُبه يود أن يتحدث معنا بكُل وسيلة لأجل لقائنا معه، ودخُولنا في حياة الشركة معه، ونجاحنا في هذه الحياة، وتمجيدنا في الحياة الأخرى، فاستخدم معنا الوسائل التالية للحديث معنا:
أولاً: الوصايا الإلهية، حقاً لقد أحبنا الله أولاً، لكننا كُنا في حاجة أن نجد الفرصة لنُعبّر عن حُبنا له عملياً بطاعتنا له..
ثانياً: الطبيعة، يحدثنا الله عن طريق الحيوانات أو النباتات أو الحشرات، صار الإنسان مُحتاجاً أن يتعلم من النملة..
ثالثاً: كلمة الله المكتُوبة، كان اللقاء بين الله والإنسان وجهاً لوجه، لكن بسبب السقُوط صارت لنا الحاجة للكلمة..
رابعاً: الرُؤى والأحلام، تحدث الله بها مع الآباء والأنبياء تمهيداً لتجسد الكلمة، كما حدث مع مُوسى (خر2:3)..
خامساً: لغة التسبيح، حتى نُدرك أن غاية وصيته هُو: تهليل قلبنا به، وتمتعه بملكُوت الله الداخلي المُفرح..
سادساً: الأمثال والتشبيهات الإلهية لإدراك الأسرار الإلهية بلغة سهلة، مثل تشبيه الكنيسة بالكرمة (إش5)..
سابعاً: الرمُوز، إذ تعجز اللغات البشرّية عن الحديث عن السماويات، يُستخدم الرمُوز كما في سفر الرُؤيا..

أخيراً تحدث الله معنا خلال تجسد الكلمة الإلهي، الله بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواعٍ وطُرقٍ كثيرة، كلّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه (عب1)، يتحدث معنا بلغة الحُب العملي..

المثل هُو قُول قصير يقُوم مقام مقال، أو محاضرة كاملة، له تأثيره على السامعين، وهُو يُركز إما على مقارنة بين أمرين أو مقابلة مضادة بينهما، له رنينه على الأذن، ويستأثر الانتباه..

كان استخدام الأمثال طريقاً سهلاً للتعليم بلا تعقيد، وكان من أفضل طُرق التعليم، يجيب بطريقة عجيبة ليُحقّق الهدف، يُمكن فهمه بسرعة، ويُحفظ بسهُولة، وقد استخدمت هذه الوسيلة للتعليم في العصُور التي كانت فيها الكتب نادرة جداً وباهظة التكاليف، لكن حتى في عصرنا لازالت للأمثال أثرها الكبير، تتناقل الأجيال الأمثال جيلاً بعد جيل، ونتنسمها كالهواء سواء كُنا نسلُك بحكمتها أم لا، وهي تُذكّرنا بأن الحياة المُنظمة حياة صالحة، وتُمثل تجميعاً لأفكار خاصة بثقافة مُعينة..

استخدام الأمثال أكثر الطُرق قدماً في التعليم، فمنذ بدء التاريخ، وُجدت أمثال خاصة بكُل أمة، لذلك فإن الأمثال كثيرة في كُل اللغات ولدى كُل الشعُوب، لا تُوجد ثقافة قط دُون أن تخزن خبراتها العامة بطريقة ما في شكل أمثال، وكما أن سمات الشعب تُشكل الأمثال، فإن الأمثال بدُورها تُشكل سمات الشعب الذي يستخدمها ويعمل بها دائماً..

هذا وتختلف الأمثال في فكر الله، عنها في الفكر البشري، فقد عُرف الكثير من الفلاسفة، والحكماء بأمثالهُم الصالحة، لكنهُم لم يستطيعُوا أن يقدمُوا الحقّ كاملاً، ليس فقط الأمثال بل والفلسفة بوجه عام غير كاملة، فإن كانت هبة من الله، لكن البشر أفسدها..
سفر الأمثال في الواقع هُو دائرة معرفة تضُم التعرف على السلُوك والحياة كما يضُم السفر بعض النصُوص التعليمية، ويُعلن عن السعادة الحقيقية وكيفية البلُوغ إليها، ويُوجد طريق واحد للتمتع بهذه الفيتامينات الرُوحية، وهي القراءة اليُومية في السفر مع رفع القلب إلى الله لكي يكشف في الأعماق عن الحكمة، والصلاة ليحل الله في قلُوبنا.. 

عمل سفر الأمثال أن يحيا المُؤمن بكُل أمانة صالحة لكي يُزين تعليم مُخلّصنا في كُل شيء، حتى غير المُؤمن يجد فيه منهجاً حياً للسلُوك الناجح ويكتشف الحاجة إلى نعمة الله لكي تسنده في هذا العمل، والعجيب أنه يحوي (31) إصحاحاً ليُؤكد حاجة الإنسان إلى التمتع بإصحاح منه كُل يوم من أيام الشهر، فنعرف الحكمة ونسلُك فيها..

مفتاح السفر هُو: كلمة الحكمة، وقد أشير إليها 104 مرة في هذا السفر، مخافة الرّب بدء الحكمة، إذ يدعُونا إلى التعليم في مدرسة الله، وكُل حكمة حقيقية هي من الله وتقُود إليه، مخافة الرّب التي تهب الإنسان سلاماً وفرحاً، فنرد له حُبه بحبنا وأمانته بأمانتنا نحوه..
من سمات السفر إنه سفر سلُوكي، حينما يُشير إلى الإيمان يترجمه إلى سلُوك عملي، وحينما يتحدث عن الحكمة، أو الفهم لا يقصد بذلك معرفة عقلانية، لكنه يتحدث عن حياة عملية..

أن غاية التعليم المسيحي هُو الجانب العملي لا النظري، وهدفه إصلاح النفس، وتدريبها لتسمُو إلى الحياة الفاضلة.للأعمال تتبع المعرفة، كما يتبع الظل الجسد..

الإنسان الحكيم كما جاء في سفر الأمثال هُو الإنسان البار، وليس أحد باراً إلا الذي يلتحف ببرّ المسيح، فالحكيم هُو ذاك الذي يتمتع بالميلاد الجديد والحياة المُقامة في المسيح يسُوع..

ترمز الأسفار الثلاثة: الأمثال، والجامعة، ونشيد الأناشيد إلى الحياة مع الله، ففي سفر الأمثال يقتني المُؤمن الحكمة ويسلُك فيها، فيرتفع قلبه بالحُب نحو صديقه الأبدي، وفي سفر الجامعة يكتشف الإنسان أن العالم لا يساوي شيئاً، إذ يُدرك تفاهة الأمُور الزمنية، أما في سفر نشيد الأناشيد فيدخل في شركة الحُب الحيّة مع الله مُحب البشر..

سفر الأمثال ينقسم إلى:
وصايا مُوجهة إلى الشباب ...... (1-9)
وصايا مُوجهة إلى الجميع ... (10-20)
وصايا للقادة والملُوك والرُؤساء (21-30)
وصايا خاصة بالمــــــرأة الفاضلة ص (31)
أن أغلب الحيوانات والطيُور لا تحتاج إلى التعليم كثيراً من الوالدين، فبعد ولادة الحيوان بساعات يصير قادراً على المشي، وبعد أيام يكُون الطائر قادراً على الطيران، أما الإنسان فيبقى إلى شهُور، وأحياناً تمتد إلى سنوات ليتعلم المشي، هذا لأن الإنسان في حاجة إلى التعلم، خاصة من والديه، فيعيش في بدء حياته عاجزاً عن الاعتماد على نفسه، وفيما هُو يتعلم تكُون له فرصة، ليتعلم الحياة ذاتها، والسلُوك، والحكمة..

لقد انتشرت الأمثال منذ بدء التاريخ البشري، لكي يتعلم الإنسان الحكمة بكلمات قليلة، وعرف الإنسان حتى في ظل نظام القبائل البدائية، وجُود حكيم للقبيلة أو القرية يلجأ إليه الجميع، يطلبُون منه المشُورة، ويلتمسُون حكمته في كُل أمُور حياتهُم المعيشية اليومية..
     ووُجد حكماء في كُل العصُور على كُل المستويات، لدى الملُوك والأباطرة يُدربُون أبناء الأسرة الملكية، ليسلكُوا بفكرٍ مُعينٍ ونظامٍ يليق بالأسرة الملكية، كُنا نسمع: هذا ابن عز، هذا تربية ملُوك..

    إبراز السفر أن ما يحل بالأشرار ليس عن نقمة الله عليهُم، ولا كراهية، إنما تحمل الخطية في داخلها الموت والفساد، والربط بين الإلهيات، والسلُوك الإنساني، والإمكانيات البشرّية العقلية، فهُو يُوحد بين العمل الإلهي، والعقل المُقدس في الرّب يسُوع، والسلُوك الرُوحي في تناغم، وانسجام، وتوافق، وذلك بالاتحاد مع الحكمة الإلهي السماوي..

    سفر الأمثال يُقدم لنا الحكمة رّبنا يسُوع المسيح، حكمة الله محي جميع البشر، القادر وحده أن يضُمنا إليه، فننعم بالشركة معه، ونبقى أبدياً معه، لن يقدر الموت أن يقترب إلى نفُوسنا، ولا الفساد أن يحّل بأجسادنا القائمة معه من الأموات، إنه بحقّ سفر الخلُود..

     إنه سفر التمتع بأيقُونة المسيح على الأرض، فنحيا به ومعه في الحياة الأبدية، ونحمل شركة الطبيعة الإلهية، ننعم بالمسيح حكمة الله، مُحب كُل البشرّية، فيتسع قلبنا بالحُب نحُو كُل إنسانٍ، مُشتهين أن يُشاركنا الكُل عذُوبة الحياة الخالدة السماوية المجيدة..