القمص يوحنا نصيف
    بداية الإنسان الأولى كانت من آدم الأول وحواء.. ولكن طبيعة آدم فسدت بالخطيّة، وصار آدم وهو يُوَرِّث ويُسَلِّم الحياة لنسله يُسَلِّم لهم أيضًا الموت.. فاستلمنا نحن كلّنا كنسل آدم هذه الطبيعة الفاسدة المحكوم عليها بالموت.. استلمنا الموت مع الحياة.. الموت الأبدي مع الحياة الأرضيّة..!!

    هذه الطبيعة التي أخذناها من آدم، عندما جاء السيِّد المسيح مُتجسِّدًا تغيَّر وضعها، وأصبح اسمها الإنسان العتيق "القديم" (كو9:3)، لأن المسيح باتّحاده بطبيعتنا وَهَبَ لنا وضعًا جديدًا وطبيعة جديدة.. وصار كلّ مَن يؤمِن به، ويدخل معه في عهد بالمعموديّة يوهَب ميلادًا جديدًا وحياة جديدة لا يهزمها الموت.. وهذا ما يُسَمَّى بالإنسان الجديد فينا (أف24:4، كو10:3).

    هذا الإنسان الجديد هو على صورة المسيح خالقه، ينمو في البِرّ والقداسة تدريجيًّا، كنمو الطفل الصغير، حتّى تظهر فيه بوضوح كلّ ملامح المسيح.. ومِن هُنا سُمِّي المسيح آدم الثاني (1كو15)، أي هو رأس وبداية الخليقة الجديدة.. وهذا يؤكِّده معلّمنا بولس الرسول بقوله: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" (2كو17:5).

    من هنا نفهم أنّ تجسُّد المسيح وميلاده كان الوسيلة التي وُهِبنا عن طريقها نعمة الميلاد الجديد والبنوّة لله والانتماء لآدم الجديد الذي صار لنا "روحًا مُحييًا" (1كو15).

    لذلك يلزم لنا في احتفالنا بعيد ميلاد ربنا يسوع المسيح، أن نحتفل أيضًا في نفس الوقت بالميلاد الجديد لكلّ واحد فينا روحيًّا من آدم الثاني.. إذ أنّ انتماءنا لآدم الثاني تجاوز كلّ عيوب انتمائنا لآدم الأول، وعالج كلّ أمراض الموت التي دخَلَت للطبيعة البشريّة عن طريق آدم الأول، فأصبح لنا في ربنا يسوع آدم الثاني حياة جديدة لا تقيِّدها الخطيّة ولا يغلبها الموت..

    بمعنى آخر، لا يكفي أن نحتفل بميلاد ربنا يسوع دون أن ننتبه أنّ لنا نحن أيضًا ميلادًا جديدًا وحياة جديدة مجيدة.. هذا الميلاد الجديد نلناه بالمعموديّة، عندما مُتنا وقمنا معه، وزُرِعَت من وقتها فينا بذرة الإنسان الجديد الذي هو على صورة الله.. وعن طريق جهادنا في رحلة الحياة بمعونة الروح القدس (الموهوب لنا أيضًا في سرّ الميرون) تنمو فينا هذه البذرة، وتبدأ ملامح الإنسان الجديد في الظهور في حياتنا!

    في ضوء هذا المفهوم عن الميلاد الجديد، يمكننا أن نستوعِب معنى الآيات التالية:
   + "مولودين ثانيةً، لا مِن زرعٍ يفنى [زرع البشر عن طريق آدم الأول]، بل ممّا لا يفنى، بكلمة الله الحيّة الباقية إلى الأبد [المسيح كلمة الله المتجسِّد]" (1بط23:1).

   + "كأطفالٍ مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي العديم الغش لكي تنمو به" (1بط2:2).. أي أنّ هناك غذاء فكري روحي يلزم أن نُغَذِّي به الإنسان الجديد حتّى ينمو؛ وهذا الغذاء هو كلمة الله والصلاة والتناول.

   + "إن كان أحد لا يولَد مِن فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله.. إن كان أحد لا يولَد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو3:3-5).
   + "المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح" (يو7:3).

   + "كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين وُلِدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله" (يو12:1-13) "كل مَن هو مولود من الله لا يفعل خطيّة لأن زرعه يثبت فيه، ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله" (1يو9:3).. واضح هنا أن الإنسان الجديد لا يخطئ، ولكننا نُخطئ بالإنسان العتيق.. وكلّما جاهدنا روحيًّا بمعونة النعمة نتخلّص من سلطان الإنسان العتيق وأخطائه، وينمو فينا الإنسان الجديد الذي لا يخطئ بل يحيا في القداسة ويثمر بِرًّا وفضيلةً!

   + "كل مَن وًلِدَ من الله يغلب العالم. وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا" (1يو4:5).

   + "ظهر لُطف مخلِّصنا الله وإحسانه.. بمقتضى رحمته خلّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تي4:3-5).

   + "يا أولادي الذين أتمخّض بكم أيضًا، إلى أن يتصوّر المسيح فيكم" (غل19:3).. وهنا يظهر أنّ الخدمة الروحيّة هي عمليّة ولادة نفوس للمسيح.. نفوس تنال بذرة الحياة الجديدة، ثمّ تنمو حتّى تظهر صورة المسيح الجميلة فيها!

   + "أن تخلعوا من جهة التصرُّف السابق الإنسان العتيق الفاسِد بحسب شهوات الغرور، وتتجدَّدوا بروح ذهنكم، وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البِرّ وقداسة الحق. لذلك اطرحوا عنكم الكذب، وتكلّموا بالصدق كل واحد مع قريبه.. اغضبوا ولا تخطئوا. لا تغرب الشّمس على غيظكم. ولا تعطوا إبليس مكانًا. لا يسرق السارق في ما بعد بل يتعب عاملاً الصالح بيديه، ليكون له أن يعطي مَن له احتياج. لا تخرج كلمة رديئة من أفواهكم، بل كل ما كان صالحًا للبنيان حسب الحاجة.. ولا تُحزِنوا روح الله القدُّوس.. ليُرفَع من بينكم كل مرارة وسُخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خُبث. وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضًا في المسيح" (أف22:4-32).. 

    ربّما نلاحظ في هذه الآيات ملامح وأعمال الإنسان العتيق التي يجب أن نتخلَّص منها تمامًا، وملامح وأعمال الإنسان الجديد الذي نعيش به الآن، ونجاهد روحيًّا لكي تنمو وتظهر صورته الحلوة فينا!
القمص يوحنا نصيف
يناير 2026م