الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
١. «بعدما أُلقِي القبض على يوحنّا»: السياسة أفق السرد
يضع إنجيل مرقس بداية خدمة يسوع العلنيّة صراحةً في سياق فعل قمعٍ سياسيّ وهو اعتقال هيرودس أنتيباس ليوحنّا المعمدان. هذه ليست ملاحظة زمنيّة محايدة، ففي سرد مرقس، يشكّل سجن يوحنّا علامة على أنّ كلمة الله باتت موضع نزاع مع السلطة السياسيّة. فاعتقال النبيّ يكشف ثمن الكلمة النبويّة في نظام لا يقبل الدين إلّا بقدر ما لا يزعزع النظام القائم.

لا ينسحب يسوع بعد اعتقال يوحنّا، بل يدخل الجليل ويجهر بالكلام. بهذه الطريقة يقدّم مرقس رسالة يسوع بوصفها استمرارًا وتعميقًا للتحدّي النبويّ الذي بدأه يوحنّا، لكن هذه المرّة في قلب الحياة اليوميّة والاقتصاديّة. منذ البدء، يُظهر الإنجيل أنّ رسالة يسوع تُعلَن في ظروف مراقبةٍ وهيمنة وعنفٍ متوقّع.

٢. «اقترب حكم أو مملكة الله»: إعلانٌ لاهوتيّ ذو تبعات سياسيّة
إعلان مملكة الله أو حكم الله ليس فكرة روحيّة مجرّدة. ففي فلسطين اليهوديّة في القرن الأوّل، كانت لغة «الملكوت أو المملكة» تستدعي حتمًا أسئلة السيادة والولاء والسلطة، ولا سيّما في ظلّ الحكم الرومانيّ والملكيّة الهيروديّة التابعة.

لا يعلن يسوع إصلاحًا للسلطات القائمة، ولا يدعو إلى ثورةٍ مسلّحة. ومع ذلك، فإنّ رسالته "سياسيّة بعمق" لأنّها تعلن أنّ "سيادة الله باتت قريبة"، وبذلك تُنسِب كلّ سلطة أخرى إلى نسبيّتها وحدودها. التوبة (ميتانويا μετάνοια) ليست فحصًا أخلاقيًّا داخليًّا فحسب، بل إعادة توجيه للولاء، وانعطافًا عن منطق الهيمنة والخوف والبقاء الذي تفرضه الأنظمة الإمبرياليّة والاقتصاديّة.

الإيمان هنا ليس اعتقادًا خاصًّا، بل ثقة بأفقٍ مختلف للمعنى والسلطة، أفق يُزعزع حتميّة النظام القائم كما يُفترَض أنّه لا بديل عنه.

٣. الموقع الاجتماعيّ للدعوة
يدعو يسوع صيّادين، لا كتبة ولا كهنة ولا مالكي أراضٍ. وهذا خيار ذو دلالة تاريخيّة وسياسيّة واضحة. فصيّادو الجليل كانوا يعملون ضمن نظام اقتصاديّ شديد التنظيم، خاضع للضرائب والرسوم وسيطرة النخب على الموارد. لم يكن الصيد مهنة رومانسيّة، بل سبل عيش هشّة مندمجة في منظومة استغلال إمبرياليّ.

حين يدعو يسوع سمعان وأندراوس ويعقوب ويوحنّا "أثناء عملهم"، يقطع آليّات البقاء نفسها التي كانت تحدّد هويّتهم وأمانهم. واستجابتهم الفوريّة—ترك الشباك والسفن، بل والبُنى العائليّة—لا تعبّر عن سذاجة، بل عن قطيعة مع تبعيّات اقتصاديّة واجتماعيّة شكّلت إطار حياتهم. إذًا، يقدّم مرقس التلمذة هنا بوصفها انفصالًا جوهريًّا، لا شعورًا داخليًّا يسيرًا.

من منظورٍ لاهوتيّ سياسيّ يّ، يقاوم هذا النصّ "الحياد السياسيّ" كما يقاوم "تسييس الإنجيل أيديولوجيًّا". فلا يمكن اختزال ملكوت أو سيادة الله في برنامجٍ سياسيّ، لكنّه "يدين بالضرورة كلّ الأنظمة السياسيّة" من خلال كشف أو فضح محدوديّتها ونسبيّتها.

لا يؤسِّس يسوع حزبًا، بل يُنشئ جماعة يجسّد وجودها منذ الآن مخيالًا اجتماعيًّا بديلًا. والكنيسة، في استمراريّتها مع هذه الدعوة، ليست بديلًا عن المؤسّسات السياسيّة، بل؛ علامة نبويّة لطريقةٍ أخرى في العيش الإنسانيّ المشترك، ولا سيّما بين الفقراء وأولئك الذين تُقيَّد حياتهم ببُنى ظالمة قمعيّة. 

سماع هذا الإنجيل اليوم يعني مواجهة السؤال نفسه الذي طُرح في الجليل:
أيّ ملكوت يشكّل أفق ما نعدّه ممكنًا؟ وبأيّ ثمن نكون مستعدّين لاتّباعٍ آخر؟ 
(سالومي مع رأس يوحنّا المعمدان. لوحةٌ زيتيّة لكارافاچو (١٦٠٧)، المعرض الوطني في لندن).
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ