بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يُعتبر سُليمان الحكيم هُو أول مَن بنى بيتاً لله، لكنه عاد فانحرف إلى العبادة الوثنية بسبب نسائه الأجنبيات، وإذ شعر بخطئه عاد إلى الرّب إلهه من جديد لينضم إلى الجماعة المُقدسة بالتوبة الصادقة، وجاء سفر الجامعة يكشف عن توبته العملية ورجُوعه إلى جماعة القطيع الإلهي، أي كنيسة الله التي يجتمع فيها الله مع شعبه..
 
إن كان سفر الجامعة قد ركز على تأكيد بطلان العالم بكُل ملذاته، فإنه في نفس الوقت يوضح أن كُل ما صنعه الله حسن ورائع، حتى ينطلق المُؤمن إلى الأبرع جمالاً من كُل البشر، ويتمتع بالحياة الأبدية، وقد كُتب إلى كُل إنسان ليكتشف حاجته إلى الله كمُخلّص له، ومصدر شبع وسعادة حقة عوض إساءة استخدام العالم وهمُومه..
 
يُركز سفر الجامعة على تعبير باطل، وقد تكرّرت 37 مرة، فجاءت في مقدمة السفر وفي خاتمته، وكأن الكاتب يود أن يُؤكد لنا أنه ليس من شيء على الأرض يُمكنه أن يهب الإنسان شبعاً حقيقياً وسعادة مُطلقة، فهُو يُقدم إدراكاً واعياً لمحدُودية الأشياء وعجزها عن تقديم أي نوع من الشبع للإنسان الذي هُو على صُورة خالقه..
 
يُمثل هذا السفر عظة غايتها الزهد عن العالم وملذاته، فالعالم في ذاته حسن، وحياتنا فيه هي هبة إلهية، لكننا نُسيء استخدامه عندما نجعل منه هدفاً في ذاته ونظن حياتنا الوقتية كأنها أبدية، وكأن المشكلة ليست في طبيعة العالم وإنما في مفاهيمنا المنُحرفة، بهذا يمنحنا سفر الجامعة راحة عظيمة لمواجهة حقيقة الحياة في إخلاص وأمانة..
يجد الإنسان الرُوحي في هذا السفر تمهيداً حقيقياً للسلُوك في الطريق الملُوكي الحُب الإلهي، دُون الارتباك بأمُور العالم المُفرحة أو المُحزنة، يجد لمسات حُب الله، وعنايته العجيبة..
 
تحت الشمس، تكرّرت 29 مرة، يليق بنا ألا نبقى تحت الشمس بل نرتفع فُوقها، حيثُ نتحد بشمس البرّ فنُوجد في ملكُوته، هُناك لا نحتاج إلى شمس مخلُوقة، إذ يكُون مسيحنا هُو نُورنا الأبدي، يهبنا الاستنارة برُوحه القدُوس، تحت الشمس نُعاني من الفراغ والعبُودية، أما فُوق الشمس فننعم بالشبع والحرية، في العالم يُوجد نهار وليل فنُعاني من حرّ النهار كما من ظُلمة الليل أما في العالم الآخر فلا تضربنا شمس النهار ولا القمر بالليل، كما لا تجد الظُلمة لها موضعاً فينا، تحت الشمس تُشير إلى الإنسان الذي ينحني تحت التجارب، أما المُؤمن فيرفعه الله فُوقها..
 
تحت السماء: تكرّرت 3 مرات، حينما يكتشف المُؤمن بطلان هذا العالم لا يطيق أن يبقى قلبه تحت السماء مُتمرغاً في التراب، وإنما يجلس مع المسيح في السماويات، بل ويصير هُو نفسه سماء، حيثُ يُقام ملكُوت الله داخلة، راجع (لو21:7؛ أف6:2)..
 
على الأرض: تكرّرت 7 مرات، إن كانت الأرض تُشير إلى الجسد، فإنه يليق بالمُؤمن ألا يخضع لشهوات الجسد، بل خلال تقديسه بكليته يعيش فُوق شهواته، إن كان الجسد هُو كعشب الحقل، لذلك عندما أشبع المسيح الجمُوع أجلسهُم على العشب، لنوال البركات يجب أن يجلسُوا أولاً على العشب، أي ترتفع نفُوسهُم فُوق شهوات الجسد..
 
ناجيت قلبي: 7 مرات، ليس من أحد يجهل بطلان هذا العالم، لكن لكي نتحرّر من قيُوده ونتحد بالله خالقه، يلزمنا أن نناجي قلُوبنا تحت قيادة الرُوح القدس واهب الحرية الحقيقية، الذي يرفعنا إلى الحياة السماوية في المسيح يسُوع رّبنا (أف6:2)..
 
قبض الريح: 7 مرات، إذ يكتشف أن العالم أشبه بالريح التي لا يُمكن الإمساك بها، ويُدرك أنه لا يهبه شبعاً..
باطل الأباطيل: 3 مرات، تُؤكد أن العالم بدُون الله هُو باطل، مَن يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً (يو13:4)..
 
هدف السفر هُو الكشف عن مدى تفاهة الحياة خارج دائرة محّبة الله ونعمته، يُقدم سُليمان الحكيم خبرته، فقد جرّب كُل ما هُو تحت الشمس ليُشبع قلبه، فوجد أنه لن يشبع حتى وإن امتلك العالم كُله، فسيبقى القلب متسعاً جداً ليس ما يملأه سوى الله..
 
أن سعادة الإنسان لا تكمُن في الحكمة الطبيعية والمعرفة، ولا في غنى العالم، ولا في الكرامة الباطلة، ولا في القُوة أو السُلطة، ولا في مظاهر التدين بل في الله وفي التعبد له بالرُوح والحقّ..
 
القراءة السريعة للسفر، تدفعنا للقُول إن غايته هُو: الكشف عن بطلان الحياة الزمنية، بكُونها حياة قصيرة وعابرة تنتهي بالموت، ويشترك في هذا الحكيم والجاهل، الإنسان والحيوان، لكن مَن يقرأ ما وراء السطُور يُدرك غاية الكاتب الحقيقية، وهُو ليس نفُورنا من هذه الحياة بمباهجها وآلامها، وإنما التعلق بالله خالق العالم ومُدبره..
 
ذُكر اسم الله 41 مرة، مُستخدماً تعبير الوهيم الخاص بلقب الله كخالق، وكأن الكاتب يود أن يُوجه أنظار القاريء إلى الله كخالق لعالم صالح ونافع، قد أفسده الإنسان بانحراف فكره، إن كانت الخليقة جميلة ومُبهجة، فماذا يكُون الخالق الذي جلب لنا الأمُور المنظُورة وغير المنظُورة، خلق من أجلنا العالم الخارجي، كما خلقنا نحنُ أنفُسنا؟!
 
كما أنك لست تعلم ما هُو طريق الريح، ولا كيف العظام في بطن الحبلى، كذلك لا تعلم أعمال الله الذي يصنع الجميع، من أجلي خلق كُل العالم حتى الرياح كما خلق عظامي وأنا في الأحشاء، لا أعرف كُل أسرار الطبيعة التي أوجدها لحسابي، ولا حتى كيف تكُونت عظامي وأنا جنين، إنما أعرف أنه صانع الجميع، فكيف ارتبط بالخليقة لا بخالقها؟!
 
لهذا ينصحني: أذكر خالقك في أيام شبابك (جا12)..
ارتباطي بالله لا يقُوم على علاقتي به كمخلُوق مدين له، إذ خلقني وخلق كُل شيء لأجلي، وإنما هُو الخالق القدير، يعجز ذهني عن إدراك قُدرته، لكنه يصنع كُل شيء حسناً..
 
راجع الكتاب المُقدس (جا11:3؛ 17:8)..
في قُدرته الفائقة يصنع كُل شيء حسناً في وقته لحسابي، ولا يفلت شيء من يده، فهُو ضابط الكُل، أعماله كاملة حتى وإن كُنا لا نُدركها، يقدر وحده أن يُصلح فساد طبيعتي واعوجاجها، أنظر عمل الله لأنه مَن يقدر على تقويم ما قد عّوجه؟! (جا13:7؛ 1:9؛ 13:12).. 
 
الله لا يبخل على الإنسان بشيءٍ، وهُو في هذا لا يطلب منه شيئاً بل أن يحمل سمة القداسة، فيكُون مُقدساً كما هُو قدُوس، إنه لا يطلب ذبيحة الجهال بل طاعة الحكيم المملُوء حُباً، فلنسمع ختام الأمر كُله: 
 
اتق الله وأحفظ وصاياه، لأن هذا هُو الإنسان كُله..
في رقة مشاعر الجامعة لم يحتمل دمُوع المظلُومين، فغبط الأموات لأنهُم لا يعاينُون الظُلم، بل وحسب الذين لم يولدُوا أكثر سعادة، هذا لا يعني أن الأمُور تسير بلا ضابط، إنما يهتم الله بالبشر، خاصة الأبرار والحكماء، يسمح لهُم بالتجارب، لكنه وإن كان لا يحاكم الأشرار الظالمين سريعاً إلا أنه يُحول المتاعب لخير خائفيه ويُنجيهُم..
 
باطل الأباطيل الكُل باطل، هذا هُو العالم بدُون الله، أما بالله فحتى الأكل والشرب بل والتعب فيه خير للإنسان، يتمتع الصالح في هذا العالم بالحكمة والمعرفة والفرح، راجع (جا24:2-26)..
 
لنطلب الحكمة لا محّبة الغنى، ولنعمل برُوح الجماعة، فإن اثنان خير من واحد .... ،  والخيط المثلُوث لا ينقطع سريعاً..
ولدٌ فقير وحكيم خير من ملك شيخ جاهل..
 
كُل ما تجده يدك لتفعله، فافعله بقُـــــــــــوتك..
 
يرى الجامعة عطايا الله كثيرة جداً فيقُول:
رأيت أن للحكمة منفعة أكثر من الجهل، كما أن للنُور منفعة أكثر من الظُلمة، الحكمة صالحة مثل الميراث، الحكمة خير من أدوات الحرب وخير من القُوة، راجع (جا13:2؛ 11:7؛ 18:9)..
 
وعن السمعة الطيبة يقُول: الصيت خير من الدهن الطيب، وطول الرُوح خير من تكبر الرُوح، ارم خُبزك على وجه المياه، فإنك تجده بعد أيام كثيرة، النُور حلُو وخير للعينين أن تنظرا الشمس..
 
راجع الكتاب (جا1:7؛ 9:9؛ 7:11)..
يعالج سفر الجامعة أولاً وقبل كُل شيء الحياة البشرّية ومشاكلها، خلق الله الإنسان مُستقيماً، مُقدماً له الكثير لكي يشبع وتفرح أعماقه، وينعم عليه بالحياة المُقدسة، مع هذا أخطأ وفقد كرامته، وصار يجهل خطة الله نحوه، وصارت الحكمة بعيدة عنه، ويُوجد الآن الصدّيق والشرّير، الصالح والطالح، الطاهر والدنس، وهذا أمر نسبي.. 
 
الخلاصة أن الحياة التي لا تتمركز في الله تصبح بلا معنى ولا مغزى، بدُونه ليس من شيء يُشبع، وبه تصبح الحياة وكُل عطاياه الأخرى الصالحة هبات من عنده، نستخدمها ونتمتع بها، فالله لا يُريد أن يُحطم إمكانياتنا البشرّية بل أن يُقدسها إن قبلنا عمله فينا، أما إن اتكلنا على ذواتنا فكبرياؤنا هُو الذي يحطم كُل حياتنا ويفسدها..
 
ينقسم سفر الجامعة إلى الآتي:
أولاً: مُقدمة سفر الجـــــــــــــــــــــــــــــامعة (1:1-4)..
ثانياً: موضُوع السفر بطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلان العالم..
ثالثاً: البراهين على بطـــــــــــلان العالم (1-4)..
رابعاً: التطبيق العملـــــــــــــــــــــــــــــــي ص (5-12)..
خامساً: كيف يمكن التغلب على البطـــــــــــلان..