بقلم: نادية هنري
عضو مجلس الشورى السابق


أعادت القرارات الأمريكية الأخيرة بتصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين كجماعات إرهابية فتح ملف لم يُغلق في الوعي المصري: ملف عام حكم الإخوان، وطبيعة المواجهة التي جرت مع سياساتهم، ليس فقط في الشارع، بل أيضًا من داخل مؤسسات الدولة نفسها.

لكن المفارقة الأهم أن هذه القرارات تأتي في لحظة تمر فيها مصر بتحديات اقتصادية وأمنية غير مسبوقة، مع غياب سياسي واضح ومجال عام شبه مغلق. وهو ما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا:
هل انتهى خطر الإخوان فعلًا؟ أم أن الظروف الراهنة تعيد إنتاجهم بصورة أخطر مما كانوا عليه؟

في يونيو، قبل أيام من 30 يونيو، كان مجلس الشورى أحد مسارح هذا الصراع الصامت والمفتوح في آن واحد. لم يكن الخلاف وقتها نظريًا، بل كان صراعًا مباشرًا حول: هل تنحاز مؤسسات الدولة إلى مطالب مجتمع يتحرك، أم تتحول إلى أدوات في يد تنظيم يحتمي بالأغلبية الشكلية؟

مشهد تحت القبة
في أحد أيام يونيو داخل مجلس الشورى، ظهرت نادية هنري مرتدية وشاحًا أزرق كتب عليه «مطلوب رئيس»، ودخلت به قاعة المجلس. لم يكن المشهد رمزيًا فقط، بل كان رسالة سياسية مباشرة في قلب مؤسسة تشريعية كانت واقعة فعليًا تحت هيمنة الإخوان.

الوشاح لم يكن فعلًا فرديًا معزولًا. النائب محمد هريدي كان النائب الوحيد الذي وافق على ارتداء الوشاح معها، في موقف لافت داخل مجلس كانت كتلته الأكبر محسوبة على الجماعة أو متحالفة معها.

جاءت هذه الخطوة اعتراضًا صريحًا على ما كان يجري في الشارع من مواجهة أمنية وسياسية لشباب تمرد، ومحاولات احتواء أو تشويه حركة شعبية كانت تجمع توقيعات تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة.

مواجهة مباشرة مع رئاسة المجلس
داخل الجلسة، لم يكن الرمز وحده كافيًا. جاءت المواجهة المباشرة مع رئيس مجلس الشورى آنذاك بعبارة أصبحت متداولة في أروقة المجلس:

«إذا كنتم تحبون محمد مرسي فعلًا… فاطلبوا منه أن ينزل انتخابات جديدة.»

كانت تلك اللحظة تعبيرًا عن جوهر الخلاف:
المواجهة لم تكن مع شخص الرئيس فقط، بل مع فكرة أن “الشرعية” تُستخدم كدرع ضد الإرادة الشعبية المتحركة.

وشهدت تلك الجلسات تحولًا واضحًا في سلوك الأغلبية الإخوانية؛ حيث تراجع النقاش السياسي الحقيقي، وتصاعد منطق “الدفاع عن السلطة” بدل مساءلتها.

من تحت القبة إلى المنصة
في 27 يونيو، لم تعد المواجهة مقتصرة على الكلمات داخل المجلس. في مؤتمر صحفي عُقد لإعلان نتائج استمارات تمرد وأعداد الموقعين ومطالبهم، أعلنت نادية هنري استقالتها من مجلس الشورى، ومعها خمسة نواب آخرين.

لم تكن الاستقالة إجراءً إداريًا، بل بيانًا سياسيًا علنيًا، جاء في لحظة كان فيها الشارع يغلي، والدولة كلها تقف على عتبة انفجار سياسي كبير.

الاستقالة المتزامنة مع مؤتمر تمرد حملت رسالة مزدوجة:
انسحاب من مؤسسة لم تعد قادرة على تمثيل نبض المجتمع،
وانحياز واضح لمطالب ملايين المصريين الداعين إلى تغيير المسار.

السياسات لا الأشخاص
جوهر المواجهة لم يكن مع “الإخوان” كأفراد، بل مع السياسات الإخوانية:
محاولات أخونة الدولة،
تسييس المؤسسات،
استخدام الدين كسلاح سياسي،
والتعامل مع الاعتراض بوصفه تهديدًا لا شريكًا.

ومن هذا المنطلق، فإن أي قرار دولي لاحق ،بما في ذلك القرار الأمريكي الأخير لا يمكن فهمه خارج سياق التجربة المصرية التي كشفت مبكرًا خطورة الخلط بين التنظيم والدولة.
القرار الأمريكي… في ضوء اللحظة الراهنة

في القراءة الواقعية، لا يغيّر القرار الأمريكي اليوم الكثير في الداخل المصري، حيث حُسم هذا الملف رسميًا منذ سنوات. لكنه يعيد طرح سؤال لم يُستكمل بعد:

هل انتهت فقط جماعة… أم انتهت الشروط التي سمحت لها بالصعود؟
فما تمر به مصر الآن من ضغوط اقتصادية خانقة، وتحديات أمنية متراكمة، وغياب لمسار سياسي حي، يخلق بيئة مثالية لإعادة إنتاج التنظيمات المغلقة.
قد لا يعود الإخوان بالاسم القديم أو الخطاب نفسه، لكنهم في ظل هذا الفراغ قد يصبحون أقوى مما كانوا عليه، لأنهم وحدهم تقريبًا من يملكون بنية تنظيمية وخطابًا جاهزًا لاستثمار الغضب واليأس.

أخطر ما يمكن أن تواجهه مصر ليس عودة الإخوان بصورتهم القديمة، بل بقاء المجال السياسي هشًا، بحيث يظل قابلًا لإعادة إنتاج أي تنظيم مغلق، مهما تغيّر اسمه أو شعاراته.

خلاصة شهادة
بين جلسات يونيو داخل مجلس الشورى، وارتداء وشاح «مطلوب رئيس»، والمواجهة مع رئاسة المجلس، ثم الاستقالة في مؤتمر تمرد يوم 27 يونيو، يتضح أن ما جرى لم يكن مجرد فصل في تاريخ جماعة، بل فصل في تاريخ علاقة الدولة بالمجتمع.

فالمعركة الحقيقية لم تكن مع تنظيم فقط، بل مع نموذج حكم.

وهي معركة لا تُحسم بقرارات خارجية،
ولا بتجفيف تنظيم واحد،
بل تُحسم حين تمتلك الدولة مشروعًا سياسيًا حيًا،
يفتح المجال،
ويستعيد الثقة،
ويجعل اختطافها مستحيلًا… أيًّا كان الخاطف