أحمد الخميسي
تتأرجح النكتة بين الواقع وبين سخريتها من مفارقات، وتناقضات ذلك الواقع، وأحيانا تكاد النكتة أن تكون قصة قصيرة شديدة الايجاز، تتوفر لها كل عناصر البناء الفني، إلا أن هناك نكتا قليلة تنفذ من الابتسام والضحك إلى فكرة شاملة، أعمق، تحملك على التأمل الفلسفي، ومنها هذه النكتة : " مريض يخاطب الطبيب قائلا له: يا دكتور.. لقد أخبرتني أنني سأموت بعد أسبوع لكني ما زلت حيا سليما بعد انقضاء شهرين؟.
أجابه الطبيب: لابد إذن أنهم أعطوك بالغلط دواء آخر غير الذي سجلته لك" ! الفكرة الشاملة هنا أن الانسان كثيرا ما يقوم بتخطئة الواقع ويخضعه لتصوره الشخصي عن الواقع! يكذب الحقيقة ويصدق فكرته. ولعلنا جميعا نفعل ذلك مع من نحب، وبينما يهمس لنا الواقع بأن المحبوبة تخدعنا فإننا نكذب ذلك ونردد لأنفسنا فكرتنا عن أنها جميلة وصادقة، فينتفي الواقع لصالح فكرة.
ونحن نفعل ذلك في الفن كل لحظة، فنلاحظ الواقع من حولنا، ونراقب البشر، ثم نكتب شيئا آخر، تنتصر فيه أفكارنا وتصوراتنا على الحقائق.
وحينما كتب محمد حسين هيكل روايته " زينب" ونشرها في 1914 ، وعدت أول رواية مصرية، ووصف فيها الكاتب قصة حب في قرية كفر غنام في المنصورة، إلا أن المؤلف أخضع الواقع لفكرته عن الطبيعة، فوصفها وصفا لا علاقة له بواقع القرية، حتى أن المخرج محمد كريم حين حول الرواية الى
فيلم عام 1930 صرح بأنه كان يأمر بغسل البقر والشجر والحمير قبل التصوير لتكون المشاهد متسقة مع الرواية!وهنا تبرز بقوة فكرة أن الانسان كثيرا ما
يقوم بتخطئة الواقع لصالح تصوره عنها، فقد تصور هيكل القرية المصرية مثل القرى الفرنسية التي شاهدها في الخارج، ثم استمر المخرج بالتصور نفسه.
كارثة تغليب الفكرة الذهنية على الواقع والحقيقة تكتسب أبعادا أكثر ضررا في السياسة ، وقد عقد الكثيرون آمالا كبيرة من أفكارهم على حزب الوفد عند نشأته، وأنه كفء لنيل الاستقلال والحرية، وما لبث أن تبين عجز الحزب عن المهام الكبرى.
وعظم الكثيرون من أفكارهم عن الاتحاد السوفيتي، وانتصروا لتصوراتهم بينما كان الواقع يمضي في اتجاه آخر.
ومع بزوغ ثورة يوليو في 1952 تباينت مواقف القوى السياسية وتصوراتها ، واتهم البعض الثورة انطلاقا من أفكاره بأنها صنيعة أمريكية، وما لبث الواقع أن كذب كل ذلك، مؤكدا الطابع الوطني للثورة.
والطبيب المشار إليه في النكتة التي جاءت في أول المقال، مثال باهر على تخطئة الواقع والتشبث – ليس بالواقع – لكن بفكرتنا عنه، الفكرة أن المريض كان ينبغي أن يموت واستمراره حيا هو الخطأ ! ولا شك أن هناك دوما مسافة بين ما يحدث، وبين تفكيرنا في ما يحدث، وينبغي النظر إلى تلك المسافة بحذر، ودقة، لكي لا نعلي وننتصر لأوهامنا الفكرية الذاتية، فنصبح موضوعا لنكتة عابرة وإن كانت عميقة وذات مغزى.





