د.ماجد عزت إسرائيل
قرية كفر قانا، أو كنا، التي اشتهرت عبر تاريخها باسم «قانا الجليل»، وباللغة العبرية (כַּפְר כַּנָּא) ومعناه «مكان القصب». وقد سجلها لنا القديس يوحنا في الكتاب المقدس حيث ذكرها قائلاً: “ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ “. (إنجيل يوحنا 2 :1).
تقع قانا شمال إسرائيل وتتبع منطقة الجليل، وقضاء الناصرة، أي إدارياً تقع ضمن لواء الشمال. وترتفع قانا نحو (252) متراً عن مستوى سطح البحر، ويحيط بها عدد من القرى، منها: طرعان، وعرب الصبيح، والمشهد، وعين ماهل، وصفورية. وهي تبعد حوالي (18) كم غرب بحيرة طبرية، ونحو (6) كم شمال شرق مدينة الناصرة. وتبلغ مساحتها نحو (10,600 دونم)، وحاليًا يبلغ عدد سكانها نحو (23) ألف نسمة، وبها العديد من المدارس والمؤسسات الخدمية الدينية والثقافية والاجتماعية.
وزادت شهرتها بزيارة السيد المسيح وأمه مريم وبعض تلاميذه لها، حيث صنع يسوع المسيح أعجوبته الأولى فيها، وهي تحويل الماء إلى خمر (يو 2: 1-11). ويحتفل الأقباط في مصر بعيد عرس قانا الجليل ضمن الأعياد السيدية السبعة الصغرى، وهي: عيد الختان (ويقع في السادس من شهر طوبة)، وعيد عرس قانا الجليل، وعيد دخول السيد المسيح الهيكل، ومجيئه إلى أرض مصر، والتجلي، وعيد خميس العهد، وعيد أحد توما (الأحد الجديد).
وفقاً لما ورد بالكتاب المقدس، قام السيد المسيح بتحويل الماء إلى خمر خلال مناسبة زواج في قرية قانا الجليل أو كنا. حيث دُعي يسوع وأمه مريم وتلاميذه، وعندما نفد النبيذ قام يسوع بمعجزة تحويل الماء إلى خمر.
وقد ذكر القديس يوحنا في إنجيله هذه المعجزة تفصيلاً حيث ذكر قائلاً: “ وَدُعِيَ أَيْضًا يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى الْعُرْسِ. وَلَمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: «لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ».
قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ: «مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ». وَكَانَتْ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ مَوْضُوعَةً هُنَاكَ، حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ، يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «امْلأُوا الأَجْرَانَ مَاءً». فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: «اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ الْمُتَّكَإِ». فَقَدَّمُوا.
فَلَمَّا ذَاقَ رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْمَاءَ الْمُتَحَوِّلَ خَمْرًا، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هِيَ، لكِنَّ الْخُدَّامَ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ اسْتَقَوُا الْمَاءَ عَلِمُوا، دَعَا رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْعَرِيسَ، وَقَالَ لَهُ: «كُلُّ إِنْسَانٍ إِنَّمَا يَضَعُ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ أَوَّلًا، وَمَتَى سَكِرُوا فَحِينَئِذٍ الدُّونَ.أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ إِلَى الآنَ!».هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ، وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ “. (إنجيل يوحنا 2 :2 :11).
إن معجزة يسوع المسيح في عرس قانا الجليل تحمل بعداً روحياً عميقاً، فهي بداية الآيات التي أعلن بها مجده، وفتح بها طريق الإيمان أمام تلاميذه. كما أن يسوع بدأ خدمته بتحويل الماء إلى خمر، وأنهى خدمته بتحويل الخمر إلى دمه في العشاء الأخير، في إشارة إلى الانتقال من الرموز إلى ملء النعمة.
وكما عُرف عن الماء أنه يطهر الجسد، كما كان يوحنا المعمدان يدعو الجميع للتوبة والعماد، فإن تحويل يسوع الماء إلى خمر يُعلن أن دم المسيح يطهر الإنسان من الخطية. وعلى أية حال، قيل إن العروسين في عرس قانا الجليل كانا فقيرين، ومع ذلك حضر إليهما ملك الملوك، واستجاب يسوع لطلب أمه السيدة العذراء حينما ذكرت له قائلة: “لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ”. (إنجيل يوحنا 2 :3).
ويُلاحظ هنا أن السيدة العذراء لم تطلب مباشرة، لكنها عرضت المشكلة: «ليس لديهم خمر»، وهي واثقة في قدرة يسوع المسيح على حلها. وبالفعل استجاب لها في اتضاع وتقدير للأمومة التي لم ينسها حتى النهاية وهو على الصليب حيث ذكر لها قائلاً: “ «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ».” (يو19: 26).





