الأب يسطس الأورشليمى 
في حضن السيد المسيح !!
في مدينة ببا بصعيد مصر، إذ انتقل شاب وحيد أمه الأرملة، صارت الوالدة مُرة النفس ليس مَن يقدر أن يعزيها، سمع عنها أبونا عبد المسيح المناهري، فذهب إليها وفي بساطته بدأ يُحثها عن غربتنا في هذا العالم وترقبنا للوطن السماوي، أما هي فكان قلبها مُلتهباً كما بنار ليس ما يطفئها أخيراً قال لها: هل تعديني ألا تبكي بعد، إذا رأيت ابنك في المجد؟!
 
أجابته: أعدك بهذا يا أبانا، وفي الحال رفع قلبه نحو السماء، وصرخ من أعماق قلبه ليكشف الله لها عن مصير ابنها الأبدي، وبالفعل وجدت أمامها ابنها في حضن السيد المسيح وحولاهما الملائكة في مجد عجيب..
 
تهلّلت نفسها وفرحت وتعزت، وشعرت بسلام الله الذي يفوق كل عقل وتذكرت قول بولس الرسول: لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم (في7:4؛ 1تس13:4)، واشتهت أن يكون لها نصيب مع ابنها، فعاشت في سلام عجيب حتى نياحتها..   
 
افتح يارب عن عيني، فأراك تحتضن مؤمنيك، نجري بالحب نحو أحضانك الإلهية، تشتهي نفسي اللقاء معك، متى تطلق نفسي؟ متى أراك يا واهب الحياة والمجد؟! بالصليب تناديني لكي أمتلكك، وأتمتع بشركة  أمجاد قيامتك، فهل يستجيب قلبي لنداء حبك العجيب ؟! 
اجذبني ورائك يارّب فنجري، ونُسرع إليك!! 
 
اخلعي الثياب السوداء !! 
التقيت بسيدة فقدت ابنها البالغ من العمر حوالي25 عاماً، وكانت مُرة النفس حزينة جداً على ابنها الشاب، وإذ غلبها الحزن جاءت بأيقونة للسيدة العذراء، وأشعلت أمامها شمعة كل يوم، وهي تصرخ طالبة من العذراء القديسة مريم أن تُصلي لأجلها لكي يهبها الله عزاءً..
 
بينما هي جالسة في حزن شديد غلبها النعاس، فرأت فجأة سيدة جميلة أمسكت بابنها الشاب، الذي كان مُتهللاً جداً، لكنه في صمت وهدوء، قالت: لقد خجلت أن أسألها كيف دخلت البيت؟!
 
كنت بالطبع أرتدي ملابسي السوداء، قالت لي: إن ابنك متهلّل على الدوام ومبتهج لأنه معي، من أجل صلواتك في الصباح والمساء، وهو سعيد ويود أن تخلعي الثياب السوداء، خجلت الأم الثكلى أن تقول لها: كيف هذا وابني قد مات، فهي تراه حياً مبتسماً متهللاً أمامها؟! صمتت الأم قليلاً، ثم قالت للعذراء: أرجوك أن تهتمي بابني، قالت لها: لا تخافي فهو معي على الدوام ومسرور جداً، استيقظت الأم وقد امتلأت سلاماً وتعزية، وأدركت أن ابنها لم يمت، بل هو مع الله.. 
 
فافتح يارب عن عيون قلوبنا فنراك، ونرى أحباءنا في حضرتك المجيدة يُشاركون السمائيين تسبيحهم، والقديسين تهليلاتهم بغير فتور.. 
 
سيدة فقيرة لكنها غنية !!
سيدة عجوز قد ناهزت الخمسة والسبعين عاماً من عمرها، لها ابن مصاب بشلّل وعاجز عن العمل، مُتزوج وله عشرة أولاد وبنات، كثيرون كانوا يشفقون على هذه العجوز من أجل ابنها المريض، وأحفادها الذين بلا عائل أو مصدر لهم، فكانوا يقدمون لها بعض العطايا العينية والمالية..
اعتادت أن تُسافر أسبوعياً إلى ابنها بالأقصر لتقدم له احتياجاته، ثم تعود إلى" إسنا"، لم أراها قط تطلب إحساناً من إنسان ولا تغيب عن القداس تذهب لكي تُصلي، ولا تطلب من الكنيسة أية معونة..
 
رقدت هذه السيدة في الرب، وأقيمت الصلوات الجنائزية في كنيسة السيدة العذراء، والتي من اتساعها كانت مزدحمة بشعب المدينة خاصة الفقراء والمساكين، كانوا يبكونها كأم لهم" أم الغلابة"، وإذ تحدث الكاهن مع بعضهم كانت المفاجأة أنه سمعهم يقولون: أنها أمنا تقدم لنا مرتباً شهرياً وتعطينا من العطايا العينية المُقدمة، لها ولابنها وأحفادها العشرة..
 
حقاً إنها صورة حية للإنسان الغني باتساع قلبه للفقراء والمحتاجين  لم تندب حالها من أجل ابنها العاجز المشلول وأحفادها العشرة، لكن باهتمامها بالغير كانت أبواب السماء مفتوحة أمامها، لتأخذ وتُعطي بسخاء لأخوتها الفقراء والمساكين والمعوزين (مت 33:25-46)..
 
تركت بركة لبناتي !!
سؤال: هل تظن يا أبي أن الراقدين يشعرون بنا؟!
روى أبونا القصة التالية: في إحدى القرى انتقل جواهرجي بسيط له سبع بنات، وكانت زوجته مُرة النفس، لا تعرف كيف تدير شئون رجلها ظلت تبكي بلا انقطاع، وبعد أيام قليلة من الوفاة، إذ كانت في حجرتها بمفردها ودموعها تنهمر من عينيها، رأت زوجها يسألها: لماذا تبكين؟! أجابت الزوجة: كيف لا أبكي، وقد تركتني وحدي، ومعي سبع بنات، مَن يهتم بهن، وكيف أقوم بتزويجهن؟!
 
قال لها الزوج: لا تخافي، افتحي درج الدولاب، فتجدين خلفه درجاً مسحوراً خفياً، ترك فيه بركة لبناتي للإنفاق على زواجهن، ثم اختفى..
 لم تصدق الزوجة نفسها، إذ ظنت ذلك نوعاً من الخيالات، لكنها ذهبت إلى الدولاب، وفتحت الدرج فوجدت بداخله صُرّة..
 
 أرسلت إلى العم الذي حضر في الحال ليستوضح الأمر، وأخبرته بما حدث، ثم قدمت الصُرّة، وهي تقول له: لم أرد أن أفتحها حتى تأتي، فأفتحها أنت وخذ نصيبك لأن ليس لي بنين ذكور..
 
 بدأت الدموع تتساقط من عيني الرجل وهو يقول لأرملة أخيه: كيف أمد يدي على البركة التي تركها أخي لبناته؟! إني أساهم في الإنفاق على البنات، وبالفعل أنفق عليهن حتى تزوج الجميع..
 
قلت له: باركني يا ابني !!
كان أبونا" ميخائيل إبراهيم" في زيارة أحد العائلات، وروى لنا هذه القصة: قال كنت جالساً في حجرة الاستقبال بالمنزل، وأنا مستيقظ أفكر في مشكلة معينة لا يعرف حقيقتها إلا ابني إبراهيم بعد أن ذهب إلى الفردوس رفعت عيني وأنا جالس على الكرسي وقلت: أليس ممكناً أن ترسل لي يارب ابني إبراهيم لكي يخبرني بالأمر؟!
 
فجأة وجدت ابني واقفاً أمامي بثوب أبيض جميل وقال لي: ماذا تريد يا أبي؟ تطلعت إليه وفرحت جداً، وقلت له: أنت لبست الثوب البيض يا ابني وأنا لا أريد أن أوسخه لك بالاهتمامات الأرضية الزمنية، ما أريده هو أن تُصلي من أجلي وتباركني، ختم أبونا حديثه بقوله: باركني ابني وأنصرف..
 
حقاً في السماء يكون الكل أخوة أحباء، يلتقي الآباء والأجداد مع الأبناء والأحفاد بلا فوارق في السن، لا رباطات قرابة جسدية أو دموية، لكن رباط حب أعظم، فهم أعضاء كثيرة في جسد الكنيسة الواحدة السماوية..
 
لأن نجماً يمتاز عن نجم في المجد (1كو12:12-27؛ 41:15).