أحمد الخميسي 
حلت ذكرى رحيل فاتن حمامة في 17 يناير لتجدد الشعور بأننا لسنا فقط إزاء رحيل فنانة كبيرة بل رحيل عصر بأكمله، بأشواقه، وأحزانه، وشوارعه، ومن عرفناهم.
 
كانت فاتن تمثل لي في شبابي نموذج الفتاة أو المرأة المثالية، الجميلة، الطاهرة، التي غالبا ما تكون مظلومة، وقد عشق جيلنا كله هذه المرأة، بابتسامتها الرقيقة، المتحفظة، التي تدعوك إليها وتحتفظ بينكما بمسافة احترام كافية.
 
بدأت فاتن حياتها الفنية مبكرا وهي في التاسعة من عمرها بفيلم يوم سعيد مع عبد الوهاب عام 1940، ثم واصلت المسيرة من دون توقف، لتصبح عن حق سيدة الشاشة العربية رغم أنها لم تؤد سوى دور واحد بظلال مختلفة، دور الشابة الطاهرة. ولمع نجمها في السيتينيات والسبعينيات بأفلام ظلت بصمة في تاريخ السينما مثل " دعاء الكروان"، وصراع في الوادي" وبالطبع فيلم " الحرام " عن قصة العبقري يوسف ادريس.
 
وبرحيل فاتن حمامة غرب عصر بأكمله، حين كانت شوارع القاهرة خالية تقريبا من البشر، وكنت أقطع الشوارع بدءا من العاشرة مساء حتى الفجر مع أمل دنقل ويحيي الطاهر عبد الله إلى أن يحل علينا التعب فنجلس عند راكية شاي في ميدان التحرير، وكانت المجلات قليلة والأدباء قلة، أما الأحلام فكانت كبيرة أبعد من الأرض ومن حدود الواقع. التقيت بالنجمة العظيمة مرة واحدة في مهرجان للأفلام بموسكو، قدمني إليها عزت العلايلي فمدت يدها برفق وحزم، وابتسمت مصافحة بود محسوب، وظهرت في عينيها تلك النظرة التي تشير إلى ارادة فولاذية لفنان كبير.
 
اختفى ذلك العالم، واختفت تلك الشوارع، وتبددت الأحلام القديمة، وتراجعت بشدة الأفلام ذات المعنى. والآن حين أمد بصري إلى الماضي، إلى عهد فاتن حمامة، أدرك أنه كان عصرا لم يكتمل إلا بها، وبحضورها، وتألقها حتى وفاتها في 17 يناير 2015 عن ثلاثة وثمانين عاما أعطت خلالها كل مواهبها فظلت تلمع فوق الجبل العظيم المسمى مصر مع كبار فناني وعظماء مصر.
 
اختلفت معها مرة حين كتبت أنها كانت ضد عبد الناصر، وأنها نشأت في بيت وفدي، فكتبت مقالا في ذلك ورجاني رئيس تحرير الجريدة ألا ننشره ، وأغراني بذلك قائلا : " دي ست عظيمة.. تعالى النهاردة نروح نزورها في البيت"، وقلت له إنه لا علاقة للمقال بعظمة فاتن، ونشرته في صحيفة أخرى، وأنا أصون محبتها في قلبي.
 
بحلول ذكرى وفاتها تحل ذكرى غروب عصر كامل، من الكتب، والأصدقاء والقضايا الفكرية والجدل العنيف والأحلام العاجزة وأشواق القلب التي لا تهدأ. الآن كلما تذكرت فاتن حمامة أشعر أنني أتذكر شباب القلب، وسنوات الصراع، حينما كان في القلب متسع للتقدم والاختلاف والدفاع والصراع، الان لم يعد القلب يتسع إلا لسفينة الذكريات الجميلة وفي مقدمتها عند الشراع تقف فاتن حمامة. جميلة، متحفظة، تغالب  الريح،فنانة، وهبت حياتها لموهبتها.