بقلم الأب يسطس الأورشليمى
الفضيلة هي: التعوّد على التفكير المُتزن المُتعقّل، الذي يُعالج الأسباب والنتائج، ويُؤدي إلى خطة منطقية مدرُوسة مُنظمة..

الرذيلة هي: الهّم المُربك الذي يُؤدي إلى المرض، والتُوتر، والانهيار العصبي، واليأس، وفقد الرجاء والانهزامية والفشل.. 

كثيراً ما نرتبك من جهة المستقبل ونقُول: مَن يُدحرج لنا الحجر؟! 

فلا تقف حائراً أمام أحجار الحياة، ولا تخف من الأبُواب الحديدية، لأنها ستفتح لك من ذاتها حينما تأتي إليها، ولا تُحارب المعركة قبل أن تبدأ، ولا تذرف دمُوعاً على أحزان قد لا تأتي على الإطلاق..  

العاقل مَن ينظر إلى الأمُور كما هي، وأعقل منه مَن يرتقي بفكره فُوق الهمُوم ويُسلّم حياته لصاحبها ومُدبرها، مَن منا يبيع عينه، أو أذنه بآلاف الجنيهات؟! يا لها من كنُوز ثمينة نتمتع بها، ونحنُ غير مُقدرين لها!!

إن أثقل أحمال الحياة هي الأحمال التي نضعها نحنُ على أكتافنا بغير ضرُورة، فتُحطم الحياة وتهدمها، وقد يأتي القلق وليد الشك، وعدم الإيمان والثقة بعناية الله، نتيجة التربية الخاطئة مثل: أب يُعطي فكرة لابنه أن الحياة بُؤس وشقاء، أو أب يُربي ابنه على الحياة السهلة، أو يُحمّله فُوق طاقته، فتّتعقد نظرته إلى الحياة ويفشل في حياته..

كُن مُتفائلاً فأنت نسيج أفكارك، ومن قيثارة واحدة ينبعث منها ما يُفرح وما يُبكي، فالقيثارة لم تتغيّر بل يد العازف، ونظرته إلى الحياة هي التي تُخلق له نُوع الحياة، فما أكثر المُتشائمين من الحياة، الذين لا يرُون من الورُود سُوى أشُواكها، ومن الأنُوار سُوى ظلالها..

إن المُتفائل إنسان يرى ضُوء غير مُوجُود، والمُتشائم إنسان أحمق يرى ضوء ولا يُصدق، وليس التفاؤل أن تُغمض العين عن الحقيقة والواقع، بل أن تعتاد في تفكيرك على النظر إلى الأشياء في بهجة الأمل والرجاء في الله ضابط الكُل، لا في ظلام اليأس والشك وعدم الثقة..

تذكر جيداً أن: حياتنا من صُنع أفكارنا، فإذا راُودتنا أفكار سعيدة كُنا سعداء، وإذا ما تمالكنا أفكار شقية أصبحنا أشقياء، وإذا سيطرت علينا أفكار المرض نصبح مرضى، وإذا فكرنا في الفشل أتانا من غير إبطاء..

ابتسم للألم يزُول عنك، وابتسم للمرض يخف عنك، وابتسم لليأس فتتّغلب عليه، الابتسام للحاضر والمستقبل من الألحان العذبة التي تتّخلّل موسيقى حياتنا، فالأحزان وليدة عدم الإيمان والثقة في وعُود الله، فالابتسام هُو: 

لغة القلُوب المُؤمنة، والنفُوس الأمينة، والضمائر الطاهرة!!

كما أن الشمس تُفتّح الأزهار والأثمار، كذلك البشاشة واللطف والرقة فإنهم يُقوا مبادىء كرم الأخلاق، فتعلّم كيف تبتسم للحياة، والجأ إلى الأذرع الأبدية التي تحملك فلا يصدم بحجر رجلك..  

إن حضُور المسيح في وسطنا، يكفي أن يُلهب قلُوبنا، ويملأ نفُوسنا بهجة واشراقة، وأحذر العبُوسة، أنظر (مت20:18؛ لو17:24)..    

الرُوح الجميل يُخلق نفساً جميلة، والنفس الجميلة تُخلق وجهاً جميلاً والوجه الجميل يُخلق عالم أجمل، والمُؤمن في العالم ولكنه ليس فيه، فهُو مُتسربل بشمس البرّ، وكُل الأمُور الأرضية تحت قدميه، مثله مثل اللآليء التي تتّكوّن في أعماق البحار، إلاّ أنها تستمد لُونها وبهائُها من السماء..

ينبغي أن يكُون الاتصال بالله والشركة الدائمة معه هُو الجُو الذي يعيش فيه المُؤمن، والهُواء الذي يستنشقه، كما أن الإنسان يستمر في التنفس، بينما يُؤدي أعماله الاعتيادية دُون أن يقف للتأمل في ذلك.. 

إن الطير المُستقّر على الغُصن عندما يشعر بأقل حركة يُحلّق في الجُو هكذا تطير النفس بأجنحة الصلاة، حالما تشعر بالضيقات، فأطلق قلبك ليُسبح في أجُواء السماء، ليأتي حاملاً لك غُصن الزيتُون..

السّلام هُو: الطائر الذي يعيش على حبات القلُوب، والقيثارة التي تهتز أوتارها بأحلى نشيد، وتُطرّب له الأذن وترقُص له القلُوب، وكان السلام أول لحن لرئيس السلام عند مُولده حينما سبّحت الملائكة له فرحين: 

المجدُ لله في الأعالي، وعلى الأرضِ السّلام، وبالناس المسّرة، وعند صعُوده إلى السماء حيثُ قال لتلاميذه: سلام لكُم (لو14:2)..
إن شبهنا السّلام بنهر، فالنعمة نبعه ومصدره، وإن شبهناه بشجرة فالنعمة جذرها، وثمرها الفرح المُقدس في القلب، طُوبى لصانعي السّلام لأنهُم أبناء الله يدعُون، راجع الكتاب (مت9:5؛ يو20:20)..

المُؤمن المُتصل بالله عن طريق الشركة كأورشليم السماوية، التي لا تحتاج إلى الشمس ولا إلى القمر، لأن الرّب هُو ضياُؤها الأبدي..

إن المسيح أتخذ تعاليمه من أنُوار الشمس، وأزهار الحقُول وطُيور السماء، ومن الأولاد الصغار الفرحين، وقال: انظرُوا إلى طيُور السماء: 
إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع (مت26:6(
فمن كُل الأشجار، أختار الله الكرمة المُنخفضة لكـي تُمثله..

ومن كُل الحيوانات، أختار الخرُوف الهاديء الوديع الصبُور..

ومن كُل الطيُور، أختار الحمامة الوديعة البســيطة المسالمة..

ومن كُل الزهُور، أختار وردة الحقل، وزنبقة الوادي، وعندما ظهر الله لمُوسى، لم يظهر في أرز لبنان المُتشامخ، بل في العليقة الضعيفة، وقصد من ذلك أن يصّد كبرياء المُتكبرين، وغرُور المُتشامخين..

إن الذين يطلبُون العزاء عن الأحزان بالأحزان، يُحاولُون أن يمسحُوا الدمُوع بالدمُوع، تلك النفُوس بائسة تعسة لا تخسر عزاء القلب فقط، بل كثيراً ما تخسر إيمانها وصحتها، لأنهُم يطلُبون العزاء من البشر وهُم بذلك يُخطئُون، والرّب يقُول: أنا أنا هُو مُعزيكُم (إش12:51؛ يو27:14)، سلاماً أترك لكُم، سلامي أعطيكُم، ليس كما يُعطي العالم أعطيكُم أنا، لا تضطرب قُلوبكُم ولا ترهب، وقد فرح التلاميذ إذ رأوا الرّب..

 وداود الملك عندما بلغه خبر مُوت ابنه أسرع ودخل بيت الله، وكذلك التلاميذ أسرعُوا إلى العلية ففي ساعات الشدائد، والتجارب، والأحزان، والمحن، نأتي إلى عرش النعمة والرحمة والعُون، ونقُول له: يارّب أقترب إلى نفسي وفكها، عند كثرة هُمُومي في داخلي تعزياتُك تُلذّذ نفسي، فلا تنظر إلى الأبُواب المُغلقة بل أنظر إلى المفتاح الذي في يد الله، ولا تحزنُوا كالباقين الذين لا رجاء لهُم، راجع الكتاب (1تس13:4)..

الفرح يُشفي الطبيعة المريضة، ويُطيّب الأجسام السقيمة، ويُصقّل الأخلاق، ويجعل الحياة سعيدةً والقلب فرحاً والوجه طلقاً، أنه فرح عميق يفيض كالنهر، فيجرف في طريقه الأشُواك والمتاعب والأحزان، فرح ينتج عنه قُوة رُوحية لا تُقهر، فرح الغفران لأن الخطية بكاء وعُويل ونحيب، أما الخلاص فأنه هتاف وترتيل وتسبيح، طُوبى للّذي غُفر إثمُه وسُترت خطيته طُوبى لرجُل لا يحسب له الرّب خطّية ولا في رُوحه غش..

عندما تشرق شمس البرّ والشفاء في أجنحتها (ملا2:4)، يسُوع في قلب الإنسان، فيستنير العقل والقلب وتتحُوّل الحياة إلى نشيد عذب من البهجة والفرح والسرُور، كحزانى ونحنُ دائماً فرحُون، كفقراء ونحنُ نُغني كثيرين، كأن لا شيء لنا ونحنُ نملكُ كُل شيءٍ (2كو10:6)..

السعادة معناها طُوبى، وفي اللغة اليُونانية معناها مكاريُوس، أي النعيم الكامل الشامل الخالد، فمركز السعادة هُو في القلب، ويحدث هذا نتيجة ما يكُون عليه حال الإنسان، لا ما يمتلكه من ممتلكات وماديات، فعليك أن تقبل نصيبك في الحياة، كما تُدبره لك العناية الإلهية الفاحصة العارفة بالأمُور فإذا كان حلُواً فأرضا به بعزاء، وإن كان مُراً فاقبله برجاء مُؤدياً واجبك بكُل أمانة، حتى تسمع الصُوت: نعمّا أيُها العبد الصّالح والأمين، كُنت 
أميناً في القليل فأقيمُك على الكثير، اُدخل إلى فرح سيّدك..

أرسل شعاعاً، وابتهاجاً حيثما سرت، وافرش أزهار الأخلاق الطيبة وساعد الغير برُوحك البهجة وكلماتك الحلُوة، بحبك ولطفك وعطفك وحنانك فليس البُؤس أن تكُون فاقد البصر، لكن البُؤس ألاّ تستطيع احتمال فقد البصر، فعناية الله لنا كاملة الذي يُحصي شعر رأسك، ويحفظ دمُوعك ويُسجل كلماتك ويسمع تنهداتك وزفراتك، وتذّكر أن السعادة ليست مسألة داخل بل خارج، وعلى قدر ما تستطيع أن تجعل الآخرين سعداء، تكُون أنت في سعادة وهناء، ومغبُوط هُو العطاء أكثر من الأخذ..

حيثُ المحبّة فهُناك الله مُوجُود، أمتلك المحبّة ليكُون الله جالساً على عرش قلبك، فإن العاصفة هي التي تسير بسفينتك إلى الوطن السماوي، والمرض الذي يمنعك من الخرُوج يُعلّمك أغاني جديدة، والخُوف الذي يجعل حياتك مُظلمة، يُغنيك بتعزيات سماوية عميقة، ثق فقط بعناية الله لك واطرح أحمالك وأثقالك عليه، راجع (مت28:11-30).. 



إن المُر الذي يسمح به الله لك، هُو الظلام الذي يسبق نُور الفجر، والغيم الذي تُشرق بعده الشمس، والنار التي يُثقل في حمُوها الذهب، والشخص الشاكر يُشبه بالصيدلي الذي يستخرج الحلاُوة من الأعشاب المُرة وسُلطانك على نفسك وضبط عُواطفك بالصبر أعظم من كُل ذهب العالم.. 
تعلّم أن تخلق من كُل شيء قبيح ناحية من نُواحي الجمال، فلا ترى الشمس في أشعتها القاتلة، بل في أشعتها الشافية عند الفجر، وتأمل في الوردة الجميلة ورائحتها العطرة، ولا تكثر النظر في أشُواكها..  

المسيحية في حقيقتها ليست مُجرد عظات وصلُوات، بل هي أحشاء ورأفة وحنان، تفرح في سكب العطف على القلُوب المُتضايقة المغمُومة الحزينة، وتستر كثرة من الخطايا (1بط8:4؛ 1يو16:4) وتتشبه بخالقها الله محّبة، ومن يثبُت في المحبّة، يثبُت في الله والله فيه..