... ق / اسطفانوس زكى....
    يأتي الرابع والعشرون من يناير لا كرقمٍ جامد في سجلّ التاريخ ، بل كذكرى إنسانية مليئة بالكثير من الدروس والمعانى 

  إنه يوم ميلاد سيمون بوليفار، صاحب التاريخ النضالى فى تاريخ الحرية والكرامة   

وفي قلب مدينة نصر بالقاهرة، يقف تمثال سيمون بوليفار شامخًا، كحكاية إنسانية مفتوحة. تمثال يهمس لكل من يمرّ به أن الألم الإنساني واحد، وأن معركة الكرامة لا تعرف حدودًا. وان الإنسان الذى خلق على أحسن تقويم  حرا مكرما  وان الحرية هى  حقً  أصيلً من حقوقه 

من هو سيمون بوليفار؟
وُلد سيمون بوليفار في ٢٤ يناير ١٧٨٣ في كراكاس بفنزويلا، يتيمًا منذ طفولته، فتعلم مبكرًا معنى اليتم، واختبر هشاشة الإنسان أمام قسوة العالم. غير أن هذا اليُتم لم يصنع فيه قسوة، بل زرع حساسية إنسانية عميقة، جعلته يرى وجع الآخرين امتدادًا لوجعه الشخصي.

 و تعلّم في أوروبا وتأثر بأفكار الحرية والكرامة . وحين عاد إلى وطنه، عاد بفكرة بسيطة وعميقة: أن الاستقلال لا يعني مجرد خروج المستعمر من الأرض المحتلة ، لكنه تحرير الإنسان من الداخل من الخوف، والجهل، والانقسام.

قاد بوليفار حركات التحرر في فنزويلا، وأسهم في استقلال كولومبيا، الإكوادور، بيرو، وبوليفيا.

 حلم بوحدة شعوب أمريكا اللاتينية، لأنه أدرك أن الإنسان حين ينقسم على نفسه يضعف، وحين يتوحد حول المعنى يصير أقوى من القهر.

    نادى بدولة القانون  لأنه كان يعلم أن البديل هو الفوضى أو الاستبداد.

 شدّد على التعليم باعتباره الطريق الأصدق لبناء إنسان حر،
 سعى للحد من التمييز الطبقي والعرقي، 
ودعم تحرير العبيد، لأنه كان يرى أن كرامة الإنسان لا تتجزأ.

ولايمكن اعتبار بوليفار مجرد  شخصية تاريخية فى التاريخ الماضى ، بل يمكننا اعتباره   شخصية  إنسانية معاصرة. فالعالم اليوم، رغم تغير الأزمنة والأدوات، لا يزال يعرف القهر بأشكال أخرى: قهر الفقر، وقهر التهميش، وقهر الخوف ؛
  فيعيش الكثيرون  مقيدين تحت قهر الخوف والجهل والمرض والفقر  

فلم تعد معارك الحرية دائمًا في ساحات المعارك ، بل في تفاصيل الحياة اليومية في حق الإنسان أن يُحترم، أن يُسمَع صوته، أن يتعلم، و ان يجد علاجا حين يمرض . 

كان بوليفار يدرك أن أخطر ما يواجه الشعوب ليس العدو الخارجي، بل تصالحها الداخلي مع القهر، وأن الانقسام لا يبدأ في الارض، بل في القلوب حين تفقد قدرتها على الأمل.

    ومع الاسف انتهت حياة بوليفار في عزلة ومرض، بعدما رأى حلمه الكبير يتشقق تحت ثقل الصراعات والمصالح الضيقة. وقال  قولته المؤسفة
«لقد حرثتُ في البحر».

 غير مدرك  ان بعض الأحلام لا تُقاس بعمر أصحابها، بل بعمر تأثيرها. فهناك بذور لا تنبت سريعًا، لأنها خُلقت لتنتظر أجيالًا.

ومن المناسب قبل أن ننهى كلامنا عن هذه الشخصية العظيمة ان نتذكر بعض الدروس النافعة من سيرته 
*  الحرية مسؤولية تحتاج الى من يتحملها بصبر 
* القائد الحقيقي هو من يدفع الثمن قبل أن يطلب التصفيق.
* الاتحاد قوى وانتصار، والانقسام بداية الانكسار.
* التعليم هو الطريق الاسهل للحصول علىىالتقدير والكرامة
* فشل التجربة لا يعني موت الفكرة إن بقيت حية في الضمير الإنساني.
 وهكذا لا يصبح هذا اليوم  ٢٤ يناير مجرد ذكرى ميلاد، بل دعوة إنسانية مفتوحة لكل من أتعبه الواقع 
أن الحرية قد تتأخر، وقد تتعثر، لكنها لابد يوما ان تتحقق
و الأحلام الكبيرة لا تموت، هي فقط تنتظر إنسانًا جديدًا يحملها دون خوف
... ق / اسطفانوس زكى....