بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لأنه ما هي حياتُكم؟! إنها بخار، يظهر قليلاً ثُم يضمحلّ، إن أعطيت البخار مكان مُتسع، يتلاشى، ويختفي سريعاً، لكن عندما تُضيّق، وتضغط على البخار الذي ليس له قُوة، حينئذٍ يُشغّل ويُحرّك القطارات، والأثقال التي تزن أطنان، فما الذي أعطى البخار كُل هذه القُوة ؟!
هكذا عندما تُضيّق على الإنسان، يتحُوّل إلى قُوة جبارة..
لقد شبه الرّب الكنيسة بالقطيع الصغير، وبالكرمة القائمة على التكعيبة وهي عبارة عن: مجمُوعة صلبان من الخشب متقاطعة، لذلك يقُول: إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فليُنكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني، فإن مَن أراد أن يُخلّص نفسه يُهلكها، ومَن يُهلك نفسه من أجلي يجدها، لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كُله وخسر نفسه؟ (مت24:16-26(
نخلق الإنسان على صُورتنا، والهدف كشبهنا، وهُناك فرق كبير بينهما فما هُو الفرق بين الصُورة والشبه؟! الصُورة باليُونانية معناها أيقُون ومنها أيقُونة، أي صُورة مُكرسّة ومُدشّنة بالميرُون، أما المثال فمعناه دُومي ومنها دُمية أو تمثال، فالشبه والمثال هُو برُوز الصُورة..
إذا أحضرت صُورة وقدمتها لفاقد البصر، لن يتعرف عليها، بينما لو أحضرت له تمثال، يستطيع عن طريق اللمس أن يتعرف عليه بكُل سهُولة، ويُحددّ معالمه بدقة، لأن التمثال هُو تجسيد للصُورة..
أنت مخلُوق على صُورة الله، يضع فيك صُورة الطهارة، وعندما تسلك فيها، تبقى حولّت الصُورة وأبرزتها إلى واقع وحقيقة ومثال للطهارة، وهكذا المطلُوب منك أن: تُحوّل وتبرز، وتُظهر صُورة الله على شاشة حياتك، فتصبح ملمُوسة ومحسُوسة لكُل من حُولك، فليُضىء نُوركم هكذا قُدام الناس، لكي يرُوا أعمالكُم الحسنة ويُمجّدوا أباكُم الذي في السماوات، أنتُم نُور العالم، راجع الكتاب المُقدس (مت14:5-16(
الهدف هُو: أنك خُلقت لكي تُحولّ الصُورة إلى حقيقة ومثال، وتُمجد الله وجاء الشيطان، وقال: طالما أنت صُورة عملها الله، فأنا أضع صُورتي بجانب صُورة الله، وأخدع الإنسان وأقُول له: بدلاً ما تُظهر صُورة الصدق والأمانة، أظهر صُورة الكذب والغش والخداع...
فإذا استجبت وسمعت له، وسلكت في طريقه، أعلم جيداً: أنك سائر وراء الشيطان المُخادع المُضّل، فليس كُل مَن يقُول لي: يارّب يارّب، يدخُل ملكُوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات، كثيرُون سيقُولُون لي في ذلك اليُوم: يارّب يارّب، أليس باسمك تنّبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قُواتٍ كثيرة؟ فحينئذٍ أصرح لهُم: إني لم أعرفكُم قط، اذهبُوا عني يا فاعلي الإثم!! (مت21:7-23)..
يقُول الرّب: حقاً قد خلقتك وجبلتك على صُورتي، لكنني لم أخلقك على هذه الصُورة المُشوهة التي أنت فيها الآن، هذه ليست صُورتي، مَن الذي دخل وطبع فيك هذه الصُورة التي لا تشبهني؟!
مثال يُوسف الصدّيق الذي صدّق أقُوال الله ووعُوده ووضعها أمام عينيه بالرغم أن كُل الظرُوف السيئة كانت ضده، فالنامُوس لم يكن مُوجُوداً، وهُو مُتغرّب، ومحرُوم من كُل عاطفة الأبُوة، والأمُومة، والأخُوة، وفي نفس الوقت عبد، لكن يُوسف وضع أمامه هدف واضح، أن يُحوّل صُورة الله ويبرزها إلى حقيقة وواقع ملمُوس، فكان رجلاً ناجحاً..
هذه رسالة موجهة إلى الوالدين، كما إلى القادة في أنحاء العالم، لنسند الذين يعملُون معنا، ونحترم مواهبهُم ولا نكبتها، ولنُسرّ بالأكثر حينما يُمارسُون كمال حريتهُم، منصتين وسامعين إليهم بكُل تقدير لشخصياتهُم ولا نحاول أن نلغي وجودهُم، شجعُوا صغار النفُوس، اسندُوا الضعفاء، تأنُوا على الجميع، راجع الكتاب المُقدس (رو1:15؛ 1تس14:5)..
ظُلم أما هُو فتذلّل ولم يفتح فاه كشاةٍ تُساق إلى الذّبح وكنعجةٍ صامتةٍ أمام جازّيها فلم يفتح فاه، أنظر (إش7:53؛ يو24:12)، لأنه في ما هُو قد تألّم مُجرّباً يقدر أن يُعين المُجرّبين، وبناء عليه، فالاتضاع، والطاعة، والصبر، والاحتمال..
هذه الفضائل لا تستطيع أن تتعلمها، وتتحلى بها إلاّ عن طريق الباب الضيّق والطريق الكرب، لذلك يقُول الرّب يسوع المسيح: اُدخلُوا من الباب الضيّق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذي يُؤدّي إلى الهلاك، وكثيرُون هُم الذين يدخُلون منه!! أنظر الكتاب (مت13:7)..
قال أحدهُم: سقطت نقطة ماء بيضاء نقية على الأرضِ، واختلطت بالتراب وصارت وحلاً وطيناً فبكت، ومرت عليها نسمة هُواء وقالت لها: لماذا تبكين؟! قالت نقطة الماء: إني أبكي لأني بعد أن كُنت ماءً نقياً يرُوي الناس، أصبحت وحلاً وكُل مَن يراني يعبر ويبتعد عني، وفقدت صُورتي الأولى وبهائي، قالت لها: يُمكنكِ أن تعُودي إلى صُورتك الأولى، وذلك إذا ما تعرضتِ إلى أشعة الشمس، فقالت: بدأت أسخن، قالت لها: اصبري قليلاً قالت: بدأت أغلي، قالت: اصبري.. بدأت أتبخر، قالت: اصبري لأن مَن يصبر إلى المُنتهي فهذا يخلُص (مت13:24)، وأخيراً تبخرت نقطة الماء وصعدت إلى العلاء، وصارت سحابة بيضاء خفيفة نقية..
هكذا نحنُ بالتجارب التي تقابلنا ونمّر بها في حياتنا، تُثقلنا وتنزع الُوحل الذي بنا وتُنقينا، كما أن السحابة خفيفة لأن ليس لها ارتباطات أرضية، وكُل ما الإنسان يرتبط بالمادة والأرضيات، كُل ما يصبح ثقيلاً، ونحنُ نُريد أن نرتفع بفكرنا إلى أعلى عن الأرضِ، والعالم الفاني الذي في الشرّير، ونقُول مع أيُوب الصدّيق: عُرياناً خرجت من بطن أميّ وعُرياناً أعُود إلى هُناك الرّب أعطى، والرّب أخذ فليكُن اسم الرّب مُباركاً (أي21:1)..
ولنتعلّم من أبينا إبراهيم رجُل الإيمان الذي كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات، التي صانعُها وبارئُها الله (مت36:1؛ عب10:11)..
المفرُوض أن تبقي في قلبك محبة الله الأولى، وهُو الترمُومتر والمُؤشر الذي يُظهر أن فلان لا يخاف المُوت، لأنه لا يُفصله عن الله، والمحبّة تطرح الخُوف خارجاً، ونحنُ نُحُبه لأنه هُو أحبّنا أولاً، ويقُول مع بُولس الرسُول: مَن سيفصلُنا عن محبّة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جُوع أم عُري أم خطر أم سيف؟ إننا من أجلك نُمات كُل النّهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح ولكننا في هذه جميعها يعظُم انتصارُنا بالذي أحبنا، لأننا إن عشنا فللرّب نعيش، وإن مُتنا فللرّب نمُوت، فإن عشنا وإن مُتنا فللرّب نحنُ، أنظر وتأمل في الكتاب (رو35:8-37؛ 8:14؛ 1يو18:4)..
هل عندك الاستعداد أن تُضحي بابنك، وحيدك، حبيبك إسحق الذي تحبه (الخطية الفلانية) على مذبح الله المُقدس، كما فعل إبراهيم؟!
والمُؤمن يُشبه بالسحابة البيضاء النقية التي تعيش في العلاء، وفي القُداس الإلهي يسأل الكاهن: أين هي قلُوبكم ؟!
هُناك أُناس لم يرتفع فكرهُم عند السّحاب، أو عند الطيُور، أو النجُوم أنظر إلى فُوق حيث الخالق الذي هُو أبرع جمالاً من بني البشر، وتمسّك بالرّب وافرح به، ولا تخف أبداً من المُوت، فأنت في الجسد مُقيد ومسجُون به، لكن عندما ينكسرّ رباط الجسد، ستتحررّ من سجنك، فإن حرّركُم الابن فبالحقيقة تكُونُون أحراراً، أنظر الكتاب (يو36:8)..
أنتُم الآن تطيرُون تسبحُون وتنشدُون نشيد النُصرة بالرّب يسُوع..
حقاً لنكن كالسحابة النقية البيضاء الخفيفة المُقدسة، لأن بدُون القداسة لن يرى أحد الرّب (عب14:12)، ونقُول مع إشعياء النبيّ بفرح وتهليل: مَن هُؤلاء الطاّئرُون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها ؟! لأن الأرض ليس مسكننا بل السماء هي مسكننا الحقيقي، نكُون سحابة خفيفة مرتبطة بالسماء، وليس لها أي جاذبية نحُو الشهُوات الأرضية وملذات العالم..
بل هي مُنطلقة مع السيد المسيح (في23:1)، لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنسانُنا الخارج يفنى، فالدّاخل يتجدّد يُوماً فيُوماً، لأن خفة ضيقتنا الوقتية تُنشيء لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدياً، ونحنُ غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى، بل إلى التي لا تُرى، لأن التي تُرى وقتية، وأما التي لا تُرى فأبديّة أنظر الكتاب المُقدس (2كو16:4-18؛ عب14:13)..
فُواضح من كُل هذه الأمُور التي تُحيط بنا، أنها تتغييّر وتفنى، فالشمس حينما تشرق وتغرب تُشير إلى الزُوال، وكما أشرقت شمس حياتك فلابد أن تغرب في يُوم ما، والفلاح حينما يخرج ليزرع ويجمع ويحصد، هكذا نجمع ونحصد، ومراحل حياة الإنسان، حيث الطفُولة والصبُوة والشباب والرجُولة ثم الشيخُوخة والكهُولة، والله يُريد من الإنسان أن يرتبط ويفكر فيه، ويقُول: به نحيا ونتحرّك ونُوجد (أع28:17)، فإذا كُنا سنسافر إلى المدينة العتيدة فما هُو المطلُوب منا ؟! هناك أربعة خطُوات وهي:
(1) التأشيرة.. (2) ثمن التذكرة.. (3) تعلم اللغة.. (4) الحرفة..
أولاً: يحصُل المُسافر على التأشيرة، أو الباسبُور وهُو الإيمان القلبي أي الإيمان العامل بالمحبّة (غل6:5)، وليس الإيمان النظري الاسمي، هل من أجل المال تجري، ومن أجل الله تتراخى؟ مَن يجذبك أكثر، هل وصية الله أم صُوت رنين الذهب؟! هل تسعى للشبع بالله أم تسعى وراء البطن؟!
ثانياً: ثمن التذكرة وهي الأعمال، لأن الإيمان بدُون أعمالٍ ميت، مثل القطار الذي يسير على قضيبين متُوازيين، فإيمانك يكُون مُوازي لأعمالك لأن إذا أنحرف أحد القضيبين، أنقلب قطار حياتك، فإيمانك هُو الذي يُعين سفرك، وأعمالك هي التي تدفع لك ثمن التذكرة..
ثالثاً: تتّعلم لغة البلد التي تذهب إليها، وكُلنا مُشتاقين أن نعيش مع الله هل تعلمت لغة السماء، حيث الطهارة والعطاء والمحبّة والتُواضع؟ والرّب يشرق شمسهُ على الأشرار والأبرار، باركُوا ولا تلعنُوا، ولا تُجازُوا أحداً عن شرّ بشرّ، لا يغلبنّك الشرّ بل اغلب الشرّ بالخير (رو14:13)..
رابعاً: الصناعة، أو الحرفة التي تتعلمها، تسبيح الملائكة وهُو عملهُم في السماء، فإذا مارست هذه الخطُوات، الإيمان والأعمال والمحّبة والتسبيح في حياتك على الأرضِ، تصبح حقاً بدأت تستعد للسفر، والرحيل إلى المدينة الجديدة أورُشليم السماُوية، المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئُها الله، ونقُول مع بُولس الرسُول: قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السّعي، حفظت الإيمان، وأخيراً قد وُضع لي إكليل البرّ الذي يهبه لي في ذلك اليُوم، الرّب الديّان العادل، أنظر (2تي7:4؛ عب10:11)..
يقُول الُوحي الإلهي في سفر أيُوب: أيامي أسرع من الُوشيعة وتنتهي بغير رجاءٍ (أي6:7)، وقد أخذ أيُوب هذا التعبير، وقاله عن نفسه، فالوشيعة عبارة عن المكُوك الذي يُلف عليه الخيط في النُول، والمكُوك يتحرك يمين وشمال، والزمن وضُع للمادة، أما الأبدية فلا يُوجد بها زمن، والزمن بدأ في اليُوم الرابع (تك14:1-19)، وقد قُسم الزمن لصالح الإنسان، فإذا ضاعت منك اللحظة الأولى تجد اللحظة، الثانية، والثالثة، وهكذا..
جميل جداً أن يُقسم لنا الرّب الزمن لساعات، وأيام، وشهُور، وسنين، وأنت في رحلة العمر، والعمر يجري وأنت لا تدري، ولا تعلم متى ينتهي؟! هل بعد ساعات، أو أيام، أو شهُور، أو سنين؟! لا أحد يعرف الساعة، لذلك قال الرّب: فاسهرُوا إذاً لأنكُم لا تعرفُون اليُوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان (مت13:25، 21)، حتى نسمع الصُوت القائل:
نعمّا أيها العبد الصّالح والأمين، كُنت أميناً في القليل فأقيمُك على الكثير، اُدخُل إلى فرح سيّدك، مُفتدين الُوقت لأن الأيام شرّيرة، لأنه حيث يكُون كنزُكم هُناك يكُون قلبكُم أيضاً، لتكن أحقاؤكُم مُمنطقةً وسُرجُكُم مُوقدةً، فكُونُوا أنتُم إذاً مُستعدّين، لأنه في ساعةٍ لا تظُنون يأتي ابن الإنسان..





