القمص يوحنا نصيف
الفصل الخامس:
النفوس العطشانة وكيف نرويها؟
في مرّةٍ سُئلَ رجل روسي عَمّا إذا كان يؤمن بالله؟ فرفع عينين ذابلتين بدون فهم وقال: يا سيّد ليس لديّ مثل هذا الأمر العسكري لأؤمن، لو كان لديّ أمر لآمنتُ!
لقد حوّلَت الشيوعيّة هذا الرجل إلى إنسان ميّت بذهنه، لقد كان مغسول الدماغ من قِبَل الشيوعيّين. هل معنى هذا أنّ الإنسان الروسي لا يوجَد بداخله مكان لمعرفة الله؟ دعونا نرى..
يقول أحد الكارزين المُعاصرين عن الشعب الروسي: لقد ناديتُ بالإنجيل لشعوبٍ عديدة، لكنّني لم أرَ شعبًا يتقبّل رسالة الخلاص بفرحٍ واشتياقٍ وحرارة كالشعب الروسي، فنفوسهم شديدة العطش لكلمة الله.. ويروي لنا القصص التالية:
+ زارني في مرّة أحد الضبّاط الروس، وكان قد أحبّ الله وتاقت نفسه إليه، لكنّه لم يكُن يملك كتابًا مقدّسًا. فبدأتُ اقرأ له موعظة المسيح على الجبل وأمثاله. فما أن سمع هذه الأقوال حتّى أخذ يرقص طَرَبًا على أرض الغرفة بفرحٍ شديد قائلاً: يا له من جمال عظيم! كيف يمكنني أن أعيش دون أن أعرف هذا المسيح؟ ولأوّل مرّة في حياتي أشاهد شخصًا فَرِحًا بالمسيح بهذا المقدار.. وبعد أن أكملتُ قراءة مقتطفات من الإنجيل، طلبت منه أن يصلّي معي، فجثا على ركبتيه وقال: يا الله.. يا لك من رجل طيّب.. فلو كنتُ مكانك وكنتَ مكاني، لَمَا غفرت لك إطلاقًا. ولكنّك بالحقيقة رجل طيّب، وأنا أحبّك بكلّ جوارِحي.
+ زارَني في أحد الأيّام رجلان بسيطان من إحدى القُرى، كانا قد قَدُما إلى المدينة لكي يعملا في أعمال النظافة طول الشتاء، فيَدَّخِرًا بعض المال، أملاً منهما أن يقتنيا كتابًا مقدّسًا مستعمَلاً قديمًا، يحملانه معهما إلى قريتهما. وحيث أنّي كنتُ قد حصلتُ على كمّيّة من الكتب المقدّسة من الخارج، فقد قدّمتُ لهما كتابًا مقدّسًا جديدًا مجّانيًّا، ولكنّهما لم يصدّقا أعينهما، فحاوَلا أن يدفعا لي ثمنه بما ادّخراه من المال، لكنّني رفضتُ. فعادا بسرعة إلى قريتهما برفقة الكتاب المقدّس، وبعد أيّامٍ قليلة استلمتُ رسالة شُكر كانت مُوَقّعة من ثلاثين شخصًا في القرية؛ كانوا قد قسّموا الكتاب بعنايةٍ تامّة إلى ثلاثين قسمًا، لكي يستبدلوها فيما بينهم لقراءتها!
+ لقد عرفتُ رجلاً استبدل خاتم زواجه بعهد جديد متفكّك.
+ في مرّة دخل جنديّان من الجيش الشيوعي مسلّحان بالبنادق إلى الكنيسة، حيث كانت خدمة القدّاس الإلهي، وبدأوا يصرخون: "نحن لا إيمان لنا، فمَن هو متمسّك بإيمانه عليه أن ينتَحِي جانبًا، أمّا الباقون فليخرجوا إلى بيوتهم". فخرج البعض وهربوا لحياتهم، أمّا الباقون فوجدوا الجنديّين يغلقان باب الكنيسة، ثم ألقوا بنادقهم على الأرض، وبدأوا يعانقون الموجودين وهم يقولون: "نحن أيضًا مؤمنان، لكنّنا نريد أن يكون لنا شركة فقط مع المسيحيّين الحقيقيّين الذين هم على استعداد أن يموتوا من أجل اسم المسيح".
+ في أحد الأيّام جاء ضابط روسي لمقابلة كاهن على انفراد، وما أن دخل غرفة الكاهن الداخليّة وأغلق الباب حتّى هزّ رأسه أمام الصليب المُعَلَّق على الحائط وهو يقول: "أنت تَعلَم أن هذا الصليب هو كذب وبُهتان، فهو ليس إلاّ مجرّد خِدعة تغشّون بها هذا الشعب المسكين. وحيث أنّنا بمفردنا الآن، فاعترِف لي أنّك لا تؤمن أنّ يسوع المسيح هو ابن الله". فابتسم الكاهن وقال: "طبعًا أنا أؤمن بذلك أيّها الشاب العزيز، فهذه هي الحقيقة". فصرخ الضابط، وتناول مسدّسه وصوّبه نحو جسد الكاهن قائلاً: "إن لم تعترف أنّ هذا كذب، فسوف أُطلِق النار عليك". أجاب الكاهن: "لا أستطيع أن أعترف بذلك، لأنّه غير صحيح". وهنا رمى الضابط مسدّسه، وعانق الكاهن ودموعه تنفجر من عينيه قائلاً: "أنا أيضًأ أؤمن، لكنّني كنتُ أريد أن أرى أشخاصًا مستعدّين أن يموتوا في سبيل إيمانهم هذا. أشكرك.. أشكرك.. لقد قوَّيتَ إيماني"!
(يُتَّبَع)
القمص يوحنا نصيف
يناير 2026م





