ثروت الخرباوى
حين وصف الرئيس السيسي حالة جماعة الإخوان بـ«عمى البصيرة»، لم يكن الوصف سياسياً بقدر ما كان تشخيصاً دقيقاً لحالة نفسية تنظيمية عميقة، ويبدو أنه مرض كامن في نسيج النفسية الإخوانية، لا يتركها ولا تتركه.
فمشكلة الجماعة لم تعد في فقدان الأدوات أو تضييق المجال، بل في عجزها البنيوى عن رؤية الواقع خارج سرديتها الخاصة، وتكوينها التنظيمي.
هذا النوع من العمى لا ينشأ فجأة، بل هو نتيجة طبيعية لما يسميه علم نفس الجماعات المغلقة «الانغلاق الإدراكي» حيث تتحول الجماعة إلى كيان يعيد تفسير العالم فقط بما يخدم بقاءه، وبما يحقق مصالحه لا بما يطابق الحقيقة.
في هذا النموذج النفسي، تفقد القيادة القدرة على المراجعة لأنها ترى أي نقد تهديداً للهوية، وانتقاصاً للفكرة، وأي تسوية اعترافاً بالهزيمة. وهنا يتشكل ما يُعرف بالعقل الجمعي الدفاعي، الذي يستبدل المعرفة بالإنكار، والحقيقة بالأمنيات، ويُغلق الباب أمام التعلم من الخطأ.
حيث تؤدي رغبة التنظيم وقادته في الحفاظ على التماسك الداخلي والهوية التنظيمية إلى تعطيل التفكير النقدي، وإقصاء المعلومات المخالِفة، واتخاذ قرارات تتناقض مع الواقع الموضوعي، وهو ما يُعرف بالتنافر المعرفي، إذ تلجأ القيادة إلى إعادة تفسير الفشل السياسي باعتباره «ابتلاء» أو «مؤامرة» بدل الاعتراف بالخطأ، حفاظاً على الاتساق النفسي لأعضائها.
كما يوضح علم النفس الاجتماعي أن الجماعات العقائدية المغلقة تطوّر ما يُعرف بالتحيز داخل الجماعة، حيث تُقدم مصلحة التنظيم بوصفها مرادفاً لمصلحة الأمة، وهو ما يفسر تاريخياً انحيازات الإخوان لخيارات سياسية اصطدمت بالإرادة الشعبية، مثل موقفهم المتساهل مع حكومة إسماعيل صدقى ودستور 1930، في مخالفة واضحة للإجماع الوطني آنذاك.
ومع تراكم هذا النمط، تتشكل بنية إدراكية دفاعية تُعلى من بقاء التنظيم على حساب الاعتراف بالواقع والتكيّف معه، لذلك لم تُجرِ الجماعة منذ 3 يوليو مراجعة فكرية حقيقية، بل لجأت إلى إعادة إنتاج خطاب المظلومية وامتلاك الحقيقة، والدفاع عن الإسلام ضد أعدائه، باعتباره أسلوب أو طريقة نفسية لتعويض فقدان السلطة، وتبرير الأخطاء المتراكمة.
هذا العمى لم يظهر اليوم فقط، بل هو سمة متكررة في تاريخ الجماعة، رأيناها كثيراً قبل ثورة 1952 سواء بالتزلف للملك وخطب وده على حساب الإرادة الشعبية، وموقفهم المنافق من إسماعيل صدقي الذي اعتبره المصريون «عدو الشعب» وكذلك نفاقهم الفج للرئيس الراحل مبارك أثناء حكمه إذ أصدروا العديد من التصريحات المؤيدة له، واتفاقاتهم الانتخابية مع الحزب الوطنى.
لم تكن مواقف الإخوان آنذاك نابعة من مصلحة الأمة، بل من حسابات تنظيمية ضيقة، رأت في مخالفة موقف الأمة، في الحياد أو المهادنة مع السلطة فرصة للبقاء والتمدد، حتى لو جاء ذلك على حساب الإجماع الوطني.
وتكرر النمط نفسه في محطات مختلفة؛ إذ كثيراً ما انحازت الجماعة إلى السلطة القائمة حين تخدم وجودها، وانقلبت عليها حين تُقصيها، دون معيار ثابت سوى مصلحة التنظيم.
هذا السلوك ينسجم تماماً مع ما يسميه علماء النفس تحيز البقاء، حيث تُعاد صياغة المبادئ أخلاقياً وفق ما يحفظ الكيان لا ما يخدم المجتمع، وهذا ما اعتقدته الجماعة حين تبنت نظرية الأمير لمكيافيلى وشعاره «الغاية تبرر الوسيلة».
وفسيولوجياً، تُظهر الدراسات، والتجارب، والمعايشات، أن الجماعات المغلقة مثل جماعة الإخوان تُنمى لدى أعضائها استجابات عصبية دفاعية، تجعلهم أقل قدرة على استقبال المعلومات المخالفة، وأكثر ميلاً لتصديق الروايات التى تعزز شعور الانتماء والاصطفاء.
حينئذ يُدار القرار من دائرة ضيقة تعيش في عزلة معرفية ونفسية، وهو ما يفسر كيف انكفأت قيادة الإخوان في دائرة مغلقة، تنكر الواقع تماماً، وتُقدم «الحفاظ على التنظيم» باعتباره غاية مقدسة، حتى لو أدى ذلك إلى تآكله، فيعيش معها الأعضاء جميعهم في نفس الحالة، ليس رفضاً للواقع ولكن إنكاراً له، فيتحول إنكار الواقع من آلية دفاعية مؤقتة إلى حالة مرضية مزمنة، تُعاد فيها صياغة الهزيمة باعتبارها ابتلاء، والفشل بوصفه صموداً، والعزلة باعتبارها اصطفاء. هذا النمط الذى أصاب الإخوان لا يعطّل فقط القدرة على التكيف السياسي، بل يُفضى إلى قرارات تصادمية متكررة، ويُغلق الباب أمام المراجعة والنقد الذاتى، بما يجعل الجماعة أسيرة وعي زائف يعيد إنتاج الأخطاء نفسها عبر الزمن، حتى وإن تغيرت السياقات وتبدلت موازين القوى.
وحين يدعى التنظيم أنه سيقوم بمراجعات فإن هذا الخطاب يكون موجهاً للرأى العام فقط، أما في الخطاب الداخلى فإنه يستمر على موقفه بأن الجماعة مقدسة، ويد الله معها، ويستحيل أن تقع في خطأ.
في هذا السياق، يصبح رفض الانخراط في منظومة الدولة ليس موقفاً مبدئياً، بل انعكاساً لخوف نفسى من الاعتراف بالخطأ.
وهو ما حدث منهم عندما رفضوا الاستجابة لطلب الرئيس بالحضور والمشاركة في الثالث من يوليو الذى كان سيعطى «مرسى» الحق في خوض انتخابات الرئاسة، وهو الموضع الذى وصفه الرئيس بعمى البصيرة.
إذ كانوا يعتقدون أن أي محاولة واقعية للاعتراف بثورة الشعب عليهم هي «خيانة»، وأي قراءة جديدة «تفريط»، وهو ما يفسر الجمود العقائدي الذي اختارته الجماعة، رغم كلفته الباهظة.
لذلك فإن عمى البصيرة لدى الإخوان ليس مجرد سوء تقدير، بل نتيجة تراكم طويل لانغلاق نفسي وتنظيمي، جعل الجماعة ترى نفسها مركز الكون، وتخلط بين الدين والتنظيم، وبين الأمة والهيكل. وحين تصل الجماعات إلى هذه المرحلة، فإن سقوطها لا يكون بفعل الخصوم فقط، بل بفعل عجزها عن رؤية نفسها كما هي.
نقلا عن الوطن





