القمص يوحنا نصيف
الفصل السادس: رائحة المسيح التي فاحَت من معصرة الصليب
لقد تحوّلَت السجون الشيوعيّة بحقٍّ إلى سماء؛ فعلى الرغم من العذابات الوحشيّة، فقد تجلّت الفضائل المسيحيّة بصورة مُبهِرة، أعادت للأذهان العصور الأولى للمسيحيّة، حيث كان أبطال الإيمان يذهبون إلى الموت لأجل المسيح كأنّهم ذاهبين إلى حفل عُرسهم، فرحين متهلّلين ومسبّحين! وها هي بعض الصور البديعة عن ذلك الجمال الروحي، ينقلها لنا "ريتشارد وورمبراند" كما عاشها لمدّة 14 سنة في السجون الشيوعيّة:
+ لقد زارنا المسيح في أحلك ساعات التعذيب، وجعل جدران السجن المُظلِمة تلمع ببريق اللآلئ، وملأ الزنزانة بنوره الساطع، فابتهجت أرواحنا بالربّ، ولم نكُن مستعدّين أن نستبدل هذا الفرح السماوي بقصور الملوك!
+ السجون كانت مزدحمة بالمسجونين، وكان الحُرّاس لا يعرفونهم بالاسم، فنادوا في إحدى المرّات على أشخاص كسروا بعض قوانين السجن، وحُكِمَ عليهم أن يُضرَبوا 25 جلدةً بالسياط، فكان القس ميلان (أحد المسجونين) يتقدّم في مرّاتٍ عديدة ليتلقّى الجلدات نيابة عن الآخَرين! فاكتسَبَ احترام المساجين الآخَرين، ليس لأجل نفسِهِ بل لأجل المسيح الذي يمثّله.
+ الظروف القاسيّة جدًّا لم تمنع المؤمنين المسجونين من تتميم وصيّة الإنجيل عن تقديم العشور.. فلَمّا كُنّا نُعطَى شريحة واحدة من الخبز الجاف كلّ أسبوع كطعام، وحساءً (شوربة) قذِرًا كلّ يوم، قرّرنا أن نعطي العشور من ذلك الخبز بأمانة؛ ففي كلّ عاشر أسبوع كُنّا نأخُذ شريحة الخبز ونعطيها لأضعف الإخوة كتقدمة عشور للسيّد المسيح!
+ كثيرًا ما شعرنا بآلام مُبرِحة لَمَّا عذبونا، ولكنّها بدت وكأنّها بعيدة كلّ البعد عن أرواحنا، التي غابت في مجد المسيح، وحضوره العذب معنا!
+ في زنزانة السجن الانفرادي لم نَكُن نستطيع أن نُصلِّي كما في الماضي، فقد كُنّا في حالة صحيّة متدهوِرة للغاية بسبب الجوع، لدرجة أصبحنا فيها كَمِثلِ معتوهين مُخَدَّرين، وكُنّا في منتهى الضعف مثل الهيكل العظمي، فكانت الصلاة الربّانيّة طويلة جدًّا بالنسبة لنا، ولم نكُن نستطيع التركيز بالقدر الذي يمكننا معه أن نكمّلها، لذلك كانت صلاتي الوحيدة التي أكرّرها مِرارًا هي: "أحبّك يا يسوع".
+ عُذِّبَ "فلورسكو" أحد قسوس الكنيسة، بواسطة أسياخ حديديّة مُحَمَّاة بالنار، وبالسكاكين أيضًا، وضُرِبَ بضراوة، ثمّ أطلقوا عليه جِرذانًا (فئرانًا) جائعة بواسطة أنبوب حديدي إلى غرفة السجن، فلم يستطِع النوم بتاتًا، إذ حاول أن يُدافِع عن نفسِهِ بطردها عنه، ومَتَى توقّف قليلاً كانت الجرذان تهاجمه وتنهش جسمه. لقد اضطرّ أن يقف على رِجليه لمدّة أسبوعَين كاملين ليلاً ونهارًا، وقاوم تعذيبهم بشدّة وصبر يفوق الخيال. وفي النهاية أحضروا ابنه الذي يبلغ من العمر 14 سنة، وأخذوا يجلدونه أمامه بالسياط، قائلين أنّهم سيستمرّون في ضربِهِ إلى أن يعترف لهم بأسماء إخوته في الكنيسة السريّة. كاد الرجل المسكين أن يُجَنّ، وقد تحمّل ذلك قدر استطاعته، ولكنّه لَمَّا عجز عن الاحتمال نظر إلى ابنه المتألّم وقال له: "يا ولدي، عليّ أن أعترف لهم بما يريدونه مِنّي، فلا أستطيع أن أراهم يضربونك بعد". فأجاب ابنه: "يا والدي لا تظلمني بجعل نفسِك والدًا خائنًا. اِثبَت يا والدي، فإن قتلوني فسأموت وعلى شفتيّ اسم الربّ يسوع". وعلى إثر ذلك جُنّ جنون الشيوعيّين، وانهالوا بضرباتهم الوحشيّة على الابن، إلى أن مات والدم يتناثر على جُدران غرفة السجن. لقد مات وهو يُسَبِّح الله!
+ لقد أمكننا أن نعرف محبّة المسيح من نحو الشيوعيّين من خلال محبّتنا نحن من نحوهم. لقد رأيتُ مسيحيّين في سجون شيوعيّة، وفي أرجُل كلّ منهم سلاسل تَزِن خمسين رطلاً، ومُعَذَّبين بمناخس حديديّة مُحَمّاة لدرجة الاحمرار، وفي حلوقهم قد وُضِعَت ملء ملاعق من الملح بعنف، ومُنِعَ عنهم الماء بعد ذلك.. يتضوّرون جوعًا، مجلودين، يُقاسون من البرد.. ورغم ذلك يُصلُّون بإخلاصٍ لأجل الشيوعيّين. الأمر الذي لا يُمكِن شرحه بلغة البشَر؛ إنّها محبّة المسيح التي انسكَبَت في قلوبنا.
+ في مرّةٍ رموا خادِمًا للإنجيل في زنزانتي، وهو نصف ميّت؛ كان الدم يتدفَّق من وجهه وجسمه. لقد ضُرِبَ بكيفيّة مُرعِبة.. فغسلناه من جراحاته، وأخذ بعض المسجونين يشتمون الشيوعيّين لفِعلِهم هذا. ففتح الخادم فاه وقال وهو يتأوّه: "من فضلكم، لا تلعنوهم. اصمتوا، فإنّي أريد أن أُصلِّي لأجلهم"!
+ كان قد صدر حُكم بالإعدام على شخص مسيحي، وقَبلَ التنفيذ سُمِحَ له أن يُقابِل زوجته، فكانت كلماته الأخيرة لها: "أودّ أن تعرفي أنّي أموت وأنا أحبّ هؤلاء الذين يقتلونني، فإنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون. وطِلبتي الأخيرة إليكم أن تحبّوهم أنتم أيضًا، ولا تكون هناك مرارة في نفوسكم من جهتهم، لأنّهم يقتلون الشخص الذي تحبّونه.. سوف نلتقي في السماء". هذه الكلمات أثّرَت في ضابط البوليس السرِّي الذي حضر المناقشة بين الاثنين، وفيما بعد أخبرني بالقصّة في السجن، حيث أودِعَ لأنّه أصبحَ مسيحيًّا!
نختتم هذه السلسلة بنعمة المسيح في المقال القادم.
(يُتَّبَع)
القمص يوحنا نصيف
يناير 2026م





