بقلم الأب يسطس الأورشليمى
احذرُوا لأنفُسكُم أي ميزُوا ما هُو مميت مما هُو صحّي، ولما كان هُناك طريقان للحذر لأنفُسنا، واحد خلال الأعين الجسدية، والآخر خلال وظائف النفس، وإذ لا تستطيع العين الجسدية أن تبلغ الهدف، لذا فإنه يتحدث هُنا عن عمل النفس، احذرُوا بمعنى أنظرُوا حولكُم من كُل جانب، بعين دائمة السهر لحراسة أنفسكُم، أي أن تترك النفس الأمُور السفلية المادية، لتنطلق نحو السماوية غير المنظُورة..
ما هُو غاية السهر واليقظة في ملاقاة الرّب؟!
هذا السهر يحول يوم الرّب، من فخ يسقط فيه جميع الجالسين على وجه الأرض، إلى يوم نجاة ووقوف قدام ابن الإنسان، فيوم الرّب بالنسبة لغير الساهرين يكُون لهُم فخاً، أما بالنسبة للساهرين الذين لا يرتبطُون بمحبة الأرض، بل ينطلقُون كما بأجنحة الرُوح في السمويات، يقفُوا قدام ابن الإنسان، ويعاينُون وجهه على الدوام إلى الأبد..
كان بعض الرسامين يعبرُون بين الأشجار، لكي يرسمُوا لوحات فنية جميلة للأشجار، لاحظُوا شجرة محنية وقد التف أغصانها حول مبنى قديم صغير، كان المسافرُون يجدُون راحتهم في هذا المبنى الذي تُظللّه الشجرة وتنحني عليه كمن تحتضن مَن به، وقف الفنانُون في حيرة، البعض يقُول: أنه منظر شجرة غير مستقيمة ليس فيها جمال الأشجار الأخرى المُحيطة بها، وآخرُون قالُوا: لا بل هي تحمل صُورة رمزية للحُب، حيث تنحني لتحتضن غيرها وتُظللّهم من حرارة الشمس الحارقة..
هبت عاصفة شديدة، فاهتزت الأشجار المستقيمة وسقطت، أما الشجرة المحنية فلن تتأثر بالعاصفة، بل انحنت شجرتان بجوارها واتكأت عليها جميع أشجار المنطقة انكسرت ولم تبق سوى هذه الشجرة المحنية، وجاء وقت الربيع، فأزهرت الشجرة وصارت رائحة المنطقة جميلة، وأخرجت بذوراً وأدرك الكل قيمة الشجرة المحنية..
فانزع عني يارّب رُوح النقد والتذمر المُدمر، وهب لي عينان فأرى في الشجرة المحنية أمومة وحباً، وأرى في كل إنسان ما هُو حسن وجميل وأدرك أنه حتى نقائص الآخرين يمكن أن تكُون للبنيان، وتذكر دائماً: أن مَن يخسر مالاً يفقد الكثير، ومَن يخسر صديقاً يفقد أكثر، ومَن يخسر إيمانه يفقد كُل شيء، انظرُوا لا تحتقرُوا أحد هُؤلاء الصغار..
اعتاد أحدهُم أن يحمل جرتين كبيرتين، واحدة عن شماله والأخرى عن يمينه، يربطاهما معاً بحبل يضعه على عنقه، كان يحمل المياه من البئر ويصعد بها إلى قصر سيده، وكانت الجرة التي على شماله مشقوقة تحت عنقها مباشرة، وعندما يبلغ القصر تفقد الجرة نصف المياه التي فيها، وفي كبرياء وغرُور كانت الجرة السليمة تسخر بأختها، والجرة المشقُوقة في مرارة تبكي كُل يوم، قال حامل المياه: لماذا تبكين؟!
أنا مسرُور بك، أنظري الطريق الذي أسير فيه من البئر حتى القصر، فإنك تجدين عن يساري مجموعة رائعة من الورود الجميلة، التي تكسب الطريق جمالاً وتُعطي رائحة طيبة عطرة، إن منظر الورود يبهج نفسي ويُحول تعبي إلى راحة، أنا أعلم أن المياه تتسلل منك وأنا صاعد، لذلك وضعت بذور ورد على جانبي اليساري حيث تجد الورود مياهاً ترويها، فإني أعرف كيف أستخدم كُل شيء بما فيه فائدة لكثيرين، تهللّت الجرة المشقوقة وشكرت الله الذي أعطى حامل المياه الحكمة، فيحول ما هُو عيب إلى جمال ونفع، أنظر (قض14:14؛ مت10:18)..
حقاً أنت يارّب إله عجيب وفنان ماهر، تعرف كيف تستخدم ضعفاتي للخير، أنت كُلي الصلاح تحول كُل الأمور لبنياني، وبنيان نفُوس كثيرة ونحنُ نعلم أن كُل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يُحبُون الله، الذين هُم مدعُوون حسب قصده (رو28:8؛ 33:11-36)..
ركع أحدهم وسجد وصرخ لله قائلاً: أريد أن أشكرك يارّب، لكن قلبي قاسي، ولا أشعر أنني أتمتع بعطية ما، فأرسل لي اليوم مَن يعطيني درساً ويُعلمني حياة الشكر والتسبيح، ركب الأتوبيس فوجد فتاة جميلة مُتهللّة، لا تُفارقها الابتسامة، فقال في نفسه: إنها شابة جميلة حتماً تشعر بحب الكثيرين واهتمامهم بها، ماذا ينقصها يا تُرى؟! ليتني كنت في موضعها ما كانت البشاشة تُفارق وجهي، وقف الأتوبيس في المحطة التالية، وإذا بالفتاة الجميلة تنحني وتسحب عصا من تحت المقعد وتمسك بها، وتستند عليها لتنزل، إذ هي مبتُورة القدم..
وفي المحطة التالية نزل من الأتوبيس وذهب إلى متجر صغير ليشتري قلماً، أعطى الثمن لصبي يبدو عليه رُوح المرح واللطف قدم له القلم في ابتسامة رقيقة وهُو يقُول له: أرجُو ألا أكُون قد تأخرت عليك، قال: ألا ترى ذلك؟! فأجاب: أشكرك، أنني لا أرى..
سار في الطريق، فرأى طفلاً كان يقف بعيداً عن زملائه لا يلعب معهم، لكن علامات الفرح تسطع من وجهه، أقترب إليه وقال له: لماذا لا تلعب مع زملائك؟ قال الطفل: سامحني فأنا أصم لا أسمع..
أشكرك يارّب لأنك وهبتني قدمين، فأسير بهما في طريقك، ووهبتني عينين بهما أرى جمالك في الطبيعة، ووهبتني أذنين بهما أسمع صُوتك وأستجيب لندائك، أشكرُوا في كُل شيءٍ (1تس18:5)..
أنا الكرمة وأنتُم الأغصان، الذي يثبُت فيّ وأنا فيه هذا يأتي بثمرٍ كثيرٍ، لأنكُم بدُوني لا تقدرُون أن تفعلُوا شيئاً (يو5:15)..
كُنا أشجاراً ردّية تحمل شوكاً وحسكاً، لا نقدر أن نثمر عنباً أو تيناً، لكننا في المسيح يسُوع رّبنا تحول شوكنا إلى كرم يثمر عنباً جديداً، وحسكنا إلى شجرة تين جديدة، خارج المسيح تكُون لنا طبيعة الأرض الساقطة تحت اللعنة، فتنتج حسكاً وشوكاً، هذه التي نخلعها في مياه المعمُودية لنحمل الطبيعة الجديدة التي صارت لنا في المسيح يسُوع لنحمل فينا عنباً وتيناً، اجعلُوا الشجرة جيدة وثمرها جيداً (مت33:12)..
إذاً إن كان أحدٌ في المسيح فهُو خليقةٌ جديدةٌ، الأشياء العتيقة قد مضت، هُوذا الكُل قد صار جديداً، أنظر (2كو17:5)..
يحوي العنب في داخله سرّ المسيح، فكما يحُوي العنقُود الكثير من الحبات مُترابطة معاً خلال فرع العنقُود الخشبي، هكذا للمسيح مُؤمنُون كثيرُون يتحدُون معاً خلال خشبة الصليب..
والتين يُمثل الكنيسة التي تضُم داخلها المُؤمنين في حضن المحّبة الحلُو، وكما تحُوي التينة بذاراً كثيرة داخل غطائها الواحد، فهي تُمثل المحّبة في حلاوتها، والوحدة في إتحاد البذار الكثيرة معاً..
العنب يُقدم لنا مثالاً للصبر، إذ يدخل المعصرة، كما يُشير إلى الفرح، والإخلاص حيثُ لا يمزج بماء، وإلى الحلاوة إذ هُو شهي، أما الشوك فيُشير إلى الهراطقة إذ يحملُون الأشواك من كُل جانب..
هكذا ترى خدام الشياطين مملُوئين بالمخاطر من كُل ناحية..
ليُدرك كُل واحد منا أنه ليس إلا بذرة في التينة المُقدسة، لا قيمة لها في ذاتها خارج الجماعة ولا عذُوبة لها إلا بثبُوتها في المسيح، في خدمة حية وشهادة مؤثرة، وعطاء للآخرين في خدمة جديدة، وهكذا يستمر الملء والسكيب، والفيض بلا توقف وتصبح دائماً منتعشاً حياً، والمُروي هُو أيضاً يُروى، وكُلما زاد عطاؤك زاد أيضاً اغتناؤك..
عمل الكنيسة الرئيسي هُو: حمل العالم على كتفيها لا لتدينه، أو تجرح مشاعره وإنما لتهبه إمكانية الالتقاء مع مُخلصه، تحمله بالحُب واللطف فتلهب قلبه بأكثر شُوق نحُو العريس السماوي، لهذا قيل:
إن الكنيسة هي لقاء حقّ بين السيد المسيح والخطاة التائبين، يجد فيها السيد لذته، إذ يراها تُقدم له بالحُب النفُوس التي مات لأجلها، ويجد الخاطيء فيها أبواب الرجاء مفتُوحة على مصراعيها على الدوام، والقلُوب والأذرع مُستعدة بالحُب أن تحمله لمُخلّصه يسُوع..





