الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

الأصوليّة الكتابيّة في مصر وانتشارها بين الأقباط
الأصوليّة الكتابيّة هي طريقة قراءةٍ وفهم للكتاب المقدّس تقوم على التعامل مع النصّ بوصفه مرجعًا مباشرًا مكتفيًا بذاته، قادرًا -في نظر أصحابها - على شرح نفسه بنفسه، وتقديم إجابات واضحة وحاسمة للأسئلة الإيمانيّة والوجوديّة. وهي، بهذا المعنى، تعبّر عن رغبةٍ صادقة في التمسّك بالكتاب المقدّس والدفاع عن سلطته ومعناه في حياة المؤمنين.

غير أنّ هذه الطريقة ليست امتدادًا أصيلًا للتقليد القبطي الآبائي والليتورجيّ، بل تسلّلتْ تاريخيًّا إلى المجال القبطيّ عن طريق تفاعلاتٍ حديثة، وحملتْ معها مقاربةً حرفيّة للنصّ، تتحفّظ على المناهج التاريخيّة-النقديّة، وتهمّش دور الوساطة الآبائيّة والليتورجيّة، وتميل إلى يقينيّات مباشرة وثنائيّات حادّة من نوع: حقّ/باطل، إيمان/لا إيمان.

أصلها التاريخي
دخل هذا النمط إلى مصر أساسًا منذ القرن التاسع عشر مع الإرساليّات البروتستانتيّة، التي ركّزتْ على نشر الكتاب المقدّس، والتعليم المنهجيّ، والتأثير في المسيحيّين المحلّيّين. ولم يكن التأثير محصورًا في النصّ الكتابيّ نفسه، بل شمل نموذجًا معيّنًا لقراءته، يقوم على المباشرة، والحرفيّة، وتقليص دور التقليد الكنسيّ في التفسير.

وفي السياق نفسه، نشأت حركة مدارس الأحد القبطيّة بوصفها مشروعَ نهضةٍ وتحصين قبطيّ في مواجهة تحدّيات العصر. واستعانت، بحكم سياقها التاريخيّ، بأدوات تعليمٍ حديثة كانت شائعة في المناخ البروتستانتيّ: الدرس المنهجيّ، أسلوب السؤال والجواب، والتركيز النصّيّ المباشر. وهذه الأدوات ليست أصوليّة في ذاتها، لكنّها فتحت، مع مرور الزمن، إمكانيّة الانزلاق إلى اختزالٍ حَرفيّ للنصّ متى غاب التكوين الهرمنيوطيقي المتكامل الذي يربط الكتاب بالتقليد والتاريخ والليتورجيا.

ومع القرن العشرين، ثم مع صعود الفضائيات والإنترنت، تعزّز هذا التأثير من خلال الإعلام الدينيّ لبعض الطوائف البروتستانت الحرفيّة الأصوليّة، الذي نقل إلى جمهور قبطي واسع نبرة معيّنة في الوعظ والقراءة، تتّسم باليقينيّة والحدّة، حتّى في غياب أيّ تحوّلٍ مذهبيّ صريح. وهكذا انتقل أسلوب الكلام عن الكتاب وأدوات تفسيره، قبل أن تنتقل المواقف العقيديّة نفسها.

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

للإبرة وخزاتٌ أخرى...
الإبرة المصدّيّة