القمص يوحنا نصيف
تابع الفصل السادس: رائحة المسيح التي فاحَت من معصرة الصليب
يستكمل "ريتشارد وورمبراند" شهادته فيقول:
+ قَبَضَ الشيوعيّون على زوجة أحد المبشّرين المسيحيّين، بعد أن سجنوا زوجها، وزجّوا بها أيضًا في السجون الشيوعيّة للنساء، وهي أفظع بما لا يُقاس من سجون الرجال؛ فهناك يُلاقينَ عذابًا وحشيًّا يفوق الخيال، ويخجل القلم من وصفِهِ. وكان المتبقّي من الأسرة هو ابنهما "ميهاي" الذي لم يكُن قد تجاوز التاسِعة من عمره، فلاقى من التشريد والحرمان ما هزّ إيمانه. وأخيرًا بعد سنتين سُمِحَ له أن يقابل أمّه، ولمّا رآها من خلف القضبان الحديديّة، كانت نحيلة قذرة المنظر بيدين خشنتين، وقد ارتدت ملابس السجن البالية، فبالكاد استطاع أن يعرفها.. كانت كلماتها الأولى والأخيرة لابنها الوحيد: "لا تترك يسوع يا ميهاي". وما أن سمعها الحُرّاس حتّى أقبلوا بوحشيّة فظيعة، وجَرُّوها بعيدًا عن ابنها، الذي سالت دموعه لَمّا رآهم يجُرُّونها بمثل هذه الخشونة.. ولكنّها كانت اللحظات التي رأى فيها المسيح؛ إذ فَكَّر في نفسِهِ أنّه إن كان بالإمكان محبّة المسيح بهذا المقدار، في ظروفٍ كهذه، فلابد أن يكون يسوع هو المُخَلِّص والإله الحقيقي. وقد صَرَّح فيما بعد: "لنفرِض أنّه لا توجَد حُجَج للمسيحيّة سِوى تلك التي رأيتها في أمّي، فهذا يكفيني"!
حقًّا إنّ صورة النفس المصلوبة على الصليب مع المسيح، هي أعظم ما يشهد للمسيح.
+ لقد كنتُ في شبابي في منتهى النشاط، ولكنّ السجن -وبالأخصّ الحبس الانفرادي- قد أحالني إلى شخص متأمِّل ومُفَكِّر.. لقد سكنَتْ جميع العواصف التي في قلبي، فلم أعُد أهتمّ بالشيوعيّة، بل لم ألحَظ حتّى وجودها، لقد كنتُ في أحضان العريس السماوي.. فصلّيتُ من أجل مُعَذِّبينا، واستطعتُ أن أحبّهم من كلّ قلبي!
+ بعد الإفراج عنّي والسماح لي بمغادرة البلاد -في صفقة تمّت بين الحكومة الشيوعيّة والغرب- كان آخِر عمل قُمتُ به قبل رحيلي، هو الذهاب إلى قبر الكولونيل الذي أصدر الأمر بالقبض عليّ، والذي تسبّب عذابي كلّ تلك السنين الطويلة. فوضعتُ زهرة على قبره، مُعَبِّرًا بذلك عن تكريس نفسي لتوصيل أفراح المسيح التي أملكها إلى قلوب الشيوعيّين الفارغة. إنّني أكره النظام الشيوعي، لكنّني أحبّ الشيوعيّين، مثلما أكره الخطيّة لكنّني أحبّ الخاطئ. إنّني أحبّ الشيوعيّين من كلّ قلبي. إنّ الشيوعيّين يمكنهم أن يقتلوا المسيحيّين، ولكنّهم لا يستطيعون أن يقتلوا محبّة الله فيهم.
* خاتمة:
أودّ أن أختم هذه السلسلة من المقالات، بمقتطفات بديعة من رسالة أرسلتها فتاة روسيّة مسيحيّة تُدعَى "فاريا" لم تتجاوز العشرين من عمرها، من داخل السجون الشيوعيّة، قُبيل استشهادها:
[أنا أعرف أين سأمضي، ومن أجل مَن ينبغي أن أتألّم..
لقد صيّرني المسيح مخلوقة جديدة..
مادامت شفتاي قادرتَين على الكلام، فسأشهَد للجميع عن محبّة المسيح العُظمى..
في المساء، عندما نجتمع بعد عملٍ شاقّ، لمدّة 12-13 ساعة مع طعام قليل جدًّا؛ كم هو جميل أن نقضي معًا بعض الوقت في الصلاة عند قدميّ المُخَلِّص، فهناك حُريّة كاملة مع المسيح في كلّ مكان، وقد تعلَّمتُ هنا عِدّة ترانيم روحيّة عذبة جِدًّا..
الله يضع كلًّا مِنّا في مكانه الخاصّ، ويجب علينا أن نقف صامدين حيث وَضَعَنا الله!
منذ أن أعلنَ لي الله سرّ محبّته النقيّة، وأنا أعتبر نفسي أسعد مخلوقة في الدنيا!
كما أنّني أعتبر التعذيب الذي عليّ أن أتحمّله نعمةً خاصّة!
صلّوا جميعًا لأجلي، كي أبقى أمينة لربّي حتّى نهاية أيّام حياتي..
ليحفظ الربّ جميعكم، ويقوّيكم في المعركة المقدّسة..
فاريا
روسيا 1966م]
وبعد.. لقد حوّل الله الصليب إلى انتصار وقيامة، وأخرج من الآكِل أُكلاً ومن الجافي حلاوة!
لم يرفع الله الصليب من طريق أولاده، لكنّه حمَلَهُ معهم، وفتح لهم به أبواب المجد والخلود..
لقد رأى العالم في الصليب نور المسيح،
واشتَمّ الجميع رائحة أطياب الحُبّ غالية الأثمان،
واكتشف العالم -وكأنّه لأوّل مرّة- قوّة جذور المسيحيّة الإلهيّة، المبنيّة على صخر الدهور!
بل والكنائس المُترَفة استفاقت بالصليب، وانكشف أمامها أعظم منهج للكرازة بالخلاص والبشارة المُفرِحة!
وهكذا أيضًا تكون خِبرة الصليب في حياتنا اليوميّة، قبوله بشُكر والرِّضا به واحتضانه؛ تجعلنا نختبر كيف أنّه هو سلاحنا ومجدنا وفخرنا، وهو طريقنا الوحيد لتذوُّق شركة الحُبّ الإلهي والحياة الأبديّة!
القمص يوحنا نصيف
يناير 2026م





