بروفيسور دكتور طلعت مليك Dr. Talaat Melik

انتفاضة الأقباط واقتصادهم في ظل الاحتلال الفارسي لمصر
مقالة رقم (5)


وفى هذا المقال نتعرف معًا على:
انتفاضة الأقباط ودورهم الوطني.

اقتصاد الأقباط وأصوله التاريخية.

أصل كلمة «اقتصاد» وانتقالها إلى لغات العالم.

دار سك العملة واحتياطي الذهب في مصر.

مدارس الألحان والموسيقى والفن في مصر قبل وأثناء الاحتلال الفارسي.

الجذور التاريخية للتلحين والتجويد.

أوضاع شباب الأقباط إبّان الغزو الفارسي.

استقبال مصر للاجئين من بلاد الشام، خاصة من أورشليم.

الخطط والحِيَل التي استخدمها المصريون (الأقباط) للتخلص من الحكمين الروماني والفارسي.

سنشرح هذه الموضوعات ببساطة ويُسر، ليكون المقال متاحًا لكل قارئ يرغب في معرفة تاريخ آبائه وأجداده.

تمهيد تاريخي مهم
أصدقائي، كانت القوات الفارسية الإيرانية تعتمد سياسة الفرّ والكرّ، وهو ما يفسّر عودتها السريعة والمتكررة إلى الأراضي المصرية. وقد بسط الفرس سيطرتهم على معظم أنحاء مصر، ووصلوا جنوبًا حتى أسوان، وتحديدًا مدينة أرمنت، التي كانت تضم مركزين بالغي الأهمية:

أولًا: دار سك العملة واحتياطي الذهب
كانت أرمنت تضم دار سك العملة المتداولة في مصر، بل وفي أجزاء من الإمبراطورية آنذاك، إضافة إلى مخزون استراتيجي من الذهب. وقد اشتهر المصريون، وبخاصة الأقباط، بالخبرة الاقتصادية والإدارة المالية، وبرز منهم اقتصاديون يُعدّون بالمعنى الحديث «عالميين».

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن كلمة «إيكونوميا» (Economia)، التي تعني «الاقتصاد»، هي كلمة قبطية الأصل، وكانت تُنطق في القبطية بذات اللفظ تقريبًا. وانتقلت الكلمة من القبطية إلى اللاتينية (Oeconomia)، ثم إلى الفرنسية (Économie)، فالإنجليزية (Economy)، وغيرها من لغات العالم.

وسنعود لاحقًا لشرح متى ولماذا استخدم المصريون هذه الكلمة، وذلك في حقبة تاريخية سبقت دخول اللغة العربية إلى مصر.

ثانيًا: مدرسة الألحان والموسيقى المصرية
كان المركز الثاني في أرمنت هو مدرسة الألحان والموسيقى المصرية القديمة، ذات الشهرة الواسعة في الغناء والفنون الموسيقية. وقد انتشرت ألحانها وآلاتها الموسيقية في أرجاء البحر الأبيض المتوسط.

تأسست هذه المدرسة قبل عدة قرون من الميلاد، وتنقلت بين مدن مصر حتى استقر مقرها في أرمنت بصعيد مصر. ومع دخول المسيحية إلى مصر، اضطلعت المدرسة بدور مهم في تطويع الألحان لتتناسب مع الفكر المسيحي، دون أن تقتصر على الألحان الروحية فقط، بخلاف مدرسة ديديموس الضرير.

ومع مرور الزمن تشتت أبناؤها ومعلموها، ولم يبقَ من تراثها سوى ما حُفظ شفهيًا، وانتقل عبر الأجيال، ليظهر صداه لاحقًا فيما يُعرف بـ«الموال المصري».

كما عمل بعض الرهبان، ممن لم يكن لهم أديرة، بالموسيقى والتلحين كمصدر للعيش، وحافظوا على هذا التراث. وفي عصور لاحقة، ساهم بعضهم في تلحين وتجويد نصوص دينية، بما في ذلك أجزاء من القرآن الكريم، علمًا بأن التلحين كان مرفوضًا لدى بعض الجماعات المتشددة حتى فترات متأخرة.

الغزو الفارسي وأثره على مصر
1. تدمير بلاد الشام والقدس

قبل دخول الملك الفارسي كسرى إلى مصر عام 610م، اجتاحت جيوشه بلاد الشام، فدمّرت الكنائس والأديرة، واقتحمت مدينة أورشليم (القدس)، وسبت بطريركها الأنبا زخارياس، ونهبت مقدساتها، بما في ذلك كنيسة الصليب المقدس.

2. لجوء أهالي أورشليم إلى مصر
بحسب المؤرخين، فرّ كثيرون من أورشليم ومحيطها إلى مصر، حيث تولّى رعايتهم القديس يوحنا المعطاء (Jean l’Aumônier)، الذي كان يُطعم أكثر من 7500 محتاج يوميًا.

3. الغزو الفارسي لمصر عام 627م
هاجم جيش كسرى، بقيادة القائد شاهين، مصر عام 627م، متجنبًا حصون سيناء، وسلك الطريق التقليدي للغزاة القادمين من الشرق، فاحتل مدينة الفرما، ثم قلعة بابليون، وصولًا إلى الإسكندرية.

4. مدينة نقيوس ومخازن القمح
هاجم الفرس مدينة نقيوس (زاوية رزين القبلي حاليًا)، التي كانت تضم مخازن القمح المصري المخصص للتصدير. وبعد حصار طويل سقطت المدينة، ودُمّرت أديرتها، وقُتل المئات من الرهبان.

5. شهادة المؤرخ ساويرس بن المقفع
وصف ساويرس بن المقفع الملك كسرى بأنه كان محبًا للمال، لا يعرف الله، ويعبد الشمس، وقد مارس القتل والنهب على نطاق واسع.

6. مذابح الأديرة
بحسب ساويرس بن المقفع وأبي المكارم، دُمّر أكثر من 620 ديرًا، وقُتل مئات الرهبان، بعد وشايات كاذبة بحقهم.

7. سقوط الإسكندرية والمذبحة الكبرى
سقطت الإسكندرية مرة ثانية، وشهدت مذبحة راح ضحيتها عشرات الآلاف من شباب مصر وعلمائها. وقبل وصول الفرس، قام كهنة الكنائس بدفن أوانيها وكنوزها، ومنها كنز البابا ثاؤفيلوس.

خاتمة وتمهيد للمقال القادم
في المقالة القادمة سنتناول انتفاضة الشعب المصري، وانتفاضة شباب الأقباط ضد الاحتلال، مع استكمال باقي المحاور التاريخية المهمة.

 بروفيسور دكتور طلعت مليك Dr. Talaat Melik