الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
غالبًا ما يُقرأ سفر يونان في وعينا الدينيّ قراءةً مبتورة، تختزله في معجزة لافتة: نبيّ ابتلعه حوتٌ ثم خرج حيًّا. تُروى القصّة بهذه الصورة، فتثير الدهشة، وتُحفظ في الذاكرة، ثم تُغلق الصفحة.
غير أنّ هذا النوع من القراءة، مع أنّه يبدو إيمانيًّا، يُفرِّغ السفر من عمقه، ويحوّله من نصٍّ كتابيٍّ حيّ إلى حكايةٍ عجائبيّة بلا أثر. فسفر يونان لم يُكتب ليُدهشنا، بل ليُربكنا، ولم يُقدَّم ليُريح ضمائرنا، بل ليكشف ما نخفيه فيها.
وليس مصادفةً أنّ يسوع نفسه، في العهد الجديد، لم يُشر إلى أيّ نبيٍّ قديم كما أشار إلى يونان، ولا قدّم «آية» باسمه سوى «آية يونان»، لأنّ هذه الآية لا تقوم على العجب، بل على المواجهة.
القصّة في حقيقتها لا تبدأ بالحوت، بل بكلمة. كلمة قصيرة، مباشرة، بلا زخرفة: «قُم اذهب إلى نينوى». هذه الكلمة هي مركز السفر كلّه، وهي التي تضع القارئ منذ البداية أمام سؤال الطاعة. فالأمر موجّه إلى يونان، نعم، لكنّه يتّسع ليطال كلّ إنسان، لأنّ لكلّ واحدٍ منّا «نينوى» خاصّة به، مكانًا أو واقعًا أو مسؤوليّة نُدعَى إلى مواجهتها ولكنّنا نفضّل الهروب منها. هنا يذكّرنا السفر بأنّ الإيمان استجابة لكلمة قرارًا يكلّف وقتًا وشجاعة وحبًّا.
غير أنّنا، حين نفضّل التركيز على المعجزة، نتهرّب من ثقل هذه الكلمة. فالمعجزة تدهشنا من بعيد، أمّا الكلمة فتطلب تغيير الاتجاه. المعجزة لا تطالبنا بشيء، أمّا «قُم اذهب» فتسحبنا من أماكن الراحة، وتضعنا في قلب العاصفة. من هنا يبدأ تسطيح السفر: حين نختار ما يثير الدهشة ونترك ما يطالبنا بالطاعة.
يونان نفسه لا يُقدَّم في السفر بطلًا إيمانيًّا، بل على العكس، يظهر منذ البداية بوصفه نقيض البطل. إنّه نبيّ، نعم، لكنّه إنسانٌ محدود الأفق، يعرف الله جيّدًا، ولا يحتمل اتّساع رحمته.
فهو لا يهرب لأنّه لا يؤمن بالله، بل لأنّه يؤمن به أكثر ممّا يحتمِل. يعرف أنّ الله رؤوفٌ رحيم، بطيء الغضب وكثير الرحمة، ويخشى أن تمتدّ هذه الرحمة إلى نينوى. هنا ينكشف جوهر المشكلة: يونان لا يرفض الشرّ بقدر ما يرفض توبة الشرّير، ولا يغضب من الخطيئة بقدر ما يغضب من الغفران. إنّه نبيٌّ متديّن، لكنّه متعصّب، يريد خلاصًا خاصًّا، لا خلاصًا مفتوحًا.
نينوى في السفر ليست مدينةً قديمة فحسْب، بل رمزٌ لكلّ «آخر» نرفضه ونُقصيه. هي العدوّ، المختلف، المرفوض، الذي نراه غير مستحقّ للرحمة. ولهذا لا يسأل السفر إن كانت نينوى شرّيرة، فهذا أمرٌ مفروغ منه، بل يطرح سؤالًا أعمق وأقسى: هل نقبل أن يرحمها الله؟ وهل نحتمل إلهًا لا يحصر خلاصه في قبيلةٍ أو جماعة أو تاريخٍ معيّن؟ من هنا تتحوّل القصة إلى مرآةٍ قاسية، لأنّها لا تضعنا في صفّ الأبرار أو الضحايا، بل تكشف فينا روح يونان نفسها، تلك الروح التي تريد إلهًا على مقاسها، وتغضب حين يتجاوز حدودها.
في هذا السياق، تكتسب العاصفة معناها الحقيقيّ. فالبحر لا يهيج لأنّ الطبيعة ثارت، بل لأنّ الكلمة رُفضتْ. والمشهد الأكثر فداحة في السفر ليس شدّة الريح، بل نوم يونان. فبينما السفينة توشك أن تتحطّم، والبحّارة يصرخون، وينادون آلهتهم، ويحاولون إنقاذ الجميع، يكون النبيّ نائمًا في جوف السفينة. هذا النوم ليس راحة، بل انسحاب. ليس سلامًا، بل رفض للإصغاء. إنّه الصورة الأكثر صدقًا لعصيان الكلمة، لأنّ العصيان في جوهره ليس فعل تمرّد صاخب، بل امتناعٌ هادئ عن السماع.
المفارقة الصادمة أنّ البحّارة، وهم غرباء عن إله يونان، يُظهِرون أكثر حسّاسيّة أخلاقيّة منه. إنّهم يخافون، ويسألون، ويحاولون إنقاذ الجميع، بينما «النبيّ» هاربٌ من المسؤوليّة. وهنا يقلب السفر المعادلة الدينيّة المألوفة: الإيمان الذي لا يتحوّل إلى مسؤولية قد يكون أخطر من الجهل، والتديّن الذي لا يثمر رحمة قد يصبح ستارًا للهروب.
أمّا الحوت، الذي شغل مخيّلة القرّاء السطحيّين، فيفقد هنا طابعه الاستعراضيّ. فهو ليس ذروة القصّة ولا غايتها، بل وسيلةٌ تربويّة، هو توقيفٌ إجباريّ يوقف مسار الهروب. في جوف الحوت لا يُكافَأ يونان، ولا يُستعرَض الإعجاز، بل يُجرَّد النبيّ من امتيازاته، ويُترَك وحيدًا أمام ذاته. ومع ذلك، يخرج يونان من الحوت من دون أن يخرج تمامًا من تعصّبه، وكأنّ السفر يريد أن يقول إنّ المعجزة، مهما عظمت، لا تغيّر القلب بالضرورة، وإنّ التوبة الأصعب ليست توبة نينوى، بل توبة النبيّ نفسه.
وحين نختزل السفر في معجزةٍ حرفيّة، نمارس نوعًا من الروحانيّة السطحيّة التي تحمينا من هذا الاكتشاف المؤلم. نُعفي أنفسنا من السؤال الأخلاقيّ، ونحوّل الله إلى إلهٍ يؤكّد هويّتنا بدل أن يهزّها، ويبارك حدودنا بدل أن يوسّعها. لكنّ سفر يونان كُتب تحديدًا ليفكّك هذا النوع من التدين، وليكشف خطر الإيمان حين ينفصل عن الرحمة، وحين يتحوّل الخلاص إلى امتيازٍ بدل أن يبقى عطيّة.
اللافت في السفر أنّه لا ينتهي بانتصار يونان ولا بتوبته، بل بسؤالٍ إلهيّ مفتوح: «أفلا أشفق أنا على نينوى؟» إنّه سؤالٌ لا يطلب جوابًا نظريًّا، بل يضع القارئ أمام خيارٍ وجوديّ: إمّا أن يقبل إلهًا أوسع من تصوّراته، أو يتمسّك بإلهٍ ضيّق يبرّر تعصّبه. وهنا تتجلّى الرسالة الخلاصيّة العميقة للسفر: الخلاص ليس حكرًا، ولا بطاقة عضويّةٍ دينيّة، بل عطيّة تُقدَّم للجميع، حتّى للذين نراهم غير مستحقّين.
سفر يونان، في جوهره، ليس كتاب معجزة، بل كتاب نقدٍ دينيّ شجاع. إنّه نصٌّ يفكّك روحانيّة التعصّب، ويكشف خطر الإيمان حين يتحوّل إلى هويّةٍ مغلقة، ويعيد بناء صورة الله بوصفه إلهًا لا يُختصر في جماعة، ولا يُحتكَر باسم تاريخ أو قبيلة، ولا يستأذن قبل أن يرحَم. من يتوقّف عند الحوت يفوّت السفر كلّه، أمّا من يصغي إلى الكلمة، فيكتشف أنّ الله أكبر من خوفنا، وأرحم من حساباتنا، وأجرأ من تعصّبنا.





