ق / اسطفانوس زكى
في الرابع من فبراير من كل عام، يتذكّر العالم يوم الأُخوّة الإنسانيّة، ذلك اليوم الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر ٢٠٢٠، ليكون تذكيرًا بأن الإنسانيّة تظل الرابط المشترك الأعمق بين البشر، مهما تنوّعت خلفياتهم واختلفت انتماءاتهم.
وجاء هذا اليوم مرتبطًا بحدثٍ إنساني بالغ الدلالة، وقع في ٤ فبراير ٢٠١٩ بمدينة أبو ظبي، حيث وُقّعت وثيقة الأُخوّة الإنسانيّة من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، وهي وثيقة حملت رسالة جوهريّة مفادها أن كرامة الإنسان – أيّ إنسان – يجب أن تكون نقطة الارتكاز والانطلاق لأي مستقبل مشترك.
ومن هنا، تبنّى المجتمع الدولي فكرة تخصيص يوم عالمي للتذكير بالأُخوّة الإنسانيّة، لا بوصفها فكرة مثاليّة، بل كضرورة إنسانيّة ملحّة.
لقد نشأت فكرة هذا اليوم من إحساسٍ متزايد بأن العالم، رغم تقدّمه الهائل في تكنولوجيا الاتصال ووسائل التواصل، ما زال يعاني من هوة إنسانيّة عميقة.
فالعزلة بين الناس تتزايد، ولغة الحوار والنقاش تتضاءل، والاختلاف يتحوّل بسهولة إلى خصومة، وأحيانًا إلى عنف وتشاجر.
حتى الحوار ذاته فقد كثيرًا من معناه؛ فبعد أن كان وسيلة للفهم والتقارب، صار في أحيان كثيرة أداة للتجريح والتنازع.
ومن هنا، لم يكن الهدف من إنشاء هذا اليوم مجرد إضافة مناسبة جديدة إلى أجندة الأمم المتحدة، بل توجيه رسالة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد:
لا يمكن بناء عالمٍ مستقر دون إعادة الاعتبار للأُخوّة والتآلف الإنساني بين البشر.
تنطلق الأُخوّة الإنسانيّة من حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن البشر – على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم وأعراقهم – يتشاركون في احتياجات إنسانيّة ونفسيّة واحدة: الحاجة إلى الحب، والاحترام، والتقدير، والأمان.
ومن ثمّ، فإن الدعوة إلى الأُخوّة الإنسانيّة هي دعوة لرؤية الإنسان قبل منصبه، وقبل مركزه، وقبل معتقده أو جنسه؛
رؤية الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، لا وسيلة.
ومع ذلك، فإن الأُخوّة لا تعني إلغاء الاختلاف، فالاختلاف سُنّة الحياة، لكنها تحرّره من منطق الصراع، وتحويله إلى مساحة للتعارف والاحترام المتبادل.
فالاختلاف في ذاته ليس خطرًا، إنما الخطر في تحويله إلى أداة استبعاد أو ذريعة للعداء بين الناس.
إن المجتمع الذي تغيب عنه الأُخوّة يتحوّل تدريجيًا إلى مجموعة أفراد متجاورين لا متضامنين؛
تضعف فيه الثقة، ويعلو الخوف، ويصبح الآخر المختلف عنّي عبئًا لا شريكًا.
أمّا المجتمع الذي يتبنّى الأُخوّة الإنسانيّة، فيحيا حياةً أكثر سلامًا وأمنًا واستقرارًا، لأن الإنسان فيه لا يُقاس بما يملك أو ينتمي إليه، بل بما هو عليه.
وتبدأ الأُخوّة الإنسانيّة عمليًا من التدريب اليومي على احترام الآخر المختلف، في الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، مع ترسيخ قيمة الإنسان لكونه إنسانًا، دون أي اعتبارات أخرى.
وفي الرؤية المسيحيّة، الأُخوّة ليست شعارًا أخلاقيًا، بل امتداد للإيمان نفسه.
المسيحيّة تنظر إلى الإنسان بوصفه مخلوقًا على صورة الله، ومن ثمّ فإن كرامته غير قابلة للمساومة.
حين قال السيد المسيح:
«كُلَّمَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ»،
كان يضع الإنسان في قلب العلاقة مع الله، ويجعل محبة الآخر معيار صدق الإيمان.
ومن هذا المنطلق، فإن الأُخوّة الإنسانيّة في الفكر المسيحي لا تُقاس بمن نحبهم، بل بقدرتنا على أن نرى الإنسان حتى في المختلف عنا، وأن نختار الرحمة بدل القسوة، والتفاهم بدل الإقصاء.
ولأن العالم اليوم أكثر انقسامًا رغم قرب المسافات،
ولأن الكراهية أصبحت في أحيان كثيرة أعلى صوتًا من المحبة،
يصبح الاحتياج إلى ترسيخ ثقافة الأُخوّة والكرامة الإنسانيّة أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى.
لذا يأتي يوم الأُخوّة الإنسانيّة ليؤكد أن الاعتراف المتبادل بالإنسان ليس مجرد خيار أخلاقي، بل ضرورة حتميّة،
وأن العيش المشترك ليس ترفًا، بل ضرورة وجوديّة.
إن قيمة الأُخوّة الإنسانيّة ليست نهاية الطريق، بل بدايته؛
دعوة لإعادة بناء الجسور التي هدمها الخوف من الآخر،
والاختيار الدائم للرحمة بدل القسوة،
والتفاهم بدل الإقصاء.
وفي عالمٍ يبحث عن توازن،
تظل الأُخوّة الإنسانيّة هي الميزان الحقيقي،
وفي زمن الانقسام،
تبقى الإنسانيّة المشتركة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.
وتتطلّب ترسيخ قيمة الإنسانيّة تدريبًا واعيًا ومشتركًا على مختلف الأصعدة.
فعلى المستوى الفردي، يتعزّز هذا الوعي من خلال النظر إلى الآخر المختلف بوصفه إنسانًا أولًا، بعيدًا عن الانطباعات المسبقة، واختيار لغة الحوار بدل الإدانة، ومراجعة الأحكام التي تتشكّل دون معرفة حقيقيّة.
وفي داخل الأسرة، يتجسّد هذا المعنى بتعليم الأبناء احترام الاختلاف لا الخوف منه، وغرس قيم التعاطف والرحمة منذ الطفولة، وتقديم نموذج عملي لقبول الآخر داخل البيت قبل أي خطاب نظري.
أمّا في المدرسة والمجتمع، فيتحقّق ذلك عبر تحويل الاختلاف إلى فرصة للتعارف لا للتنازع، وترسيخ ثقافة الكرامة الإنسانيّة في التعليم والإعلام والخطاب العام، وتشجيع المبادرات التي تبني الجسور بين الناس بدل تعميق الفجوا
.....ق / اسكفانوس زكى....





