لماذا تخاف الأصوليّة من المنهج التاريخيّ؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
تخاف الأصوليّة ممّا يفعله التاريخ بصورة نصّ الكتاب المقدّس كما تريدها أن تبقى: ثابتة، مغلقة، ومحصّنة ضد الأسئلة. فالمنهج التاريخيّ لا يهدم النصّ، لكنّه يسعى إلى إعادته إلى تربته: الزمن، اللغة، الصراع، الإنسان. وهنا يبدأ التوتّر.
فالأصوليّة تنطلق من افتراضٍ ثابت وهو أنّ النصّ واضحٌ بذاته، مكتفٍ بنفسه، صالح لأن يُقرأ مباشرةً بوصفه كلامًا إلهيًّا جاهزًا للتطبيق. أمّا المنهج التاريخيّ فيقول شيئًا مختلفًا، يقول إنّ النصّ وُلِد داخل تاريخٍ حيّ، في ظروفٍ محدّدة، بلغةٍ وصورٍ ومفاهيم مرتبطة بعالمه وبالبشر في عصره. وهذا لا يُنقص من قدسيّته، بل يكشف طريقة تجسّده. غير أنّ هذا الكشف يزعج القراءة الأصوليّة، لأنّه ينزع عنها وهم الامتلاك الفوريّ للمعنى.
المشكلة هنا ليست معرفيّة فقط، بل أيضًا نفسيّة وروحيّة. فالأصوليّة تبحث عن يقينٍ يحميها من القلق، بينما المنهج التاريخيّ يفتح باب السؤال: لماذا قيل هذا؟ ولمَن؟ وفي أيّ ظرف؟ وأين؟ ومتى؟ وحين يتحوّل النصّ من “إجابة جاهزة” إلى مساحة بحث، تشعر الأصوليّة أنّ الأرض تهتزّ تحت قدميها. إنّها تخشى فقدان السيطرة على المعنى أكثر ممّا تخشى التاريخ نفسه.
يظهر هذا التوتّر بوضوح في التاريخ. يكفي أن نتذكّر الصدمة التي أحدثتها الدراسات النقديّة للكتاب المقدّس في القرن التاسع عشر، حين بدأ الباحثون، مثل يوليوس ڤلهاوزن، تحليل مصادر الأسفار الخمسة (التوراة) تاريخيًّا. لم يكن هدفهم نفي الوحي، ولكن فهم تشكّل النصّ داخل تاريخ شعب بني إسرائيل. لكن ردّ الفعل الأصوليّ كان حادًّا، لأنّ فكرة أنّ النصّ يحمل أثر التاريخ بدتْ تهديدًا لفكرة النصّ “النازل كاملًا من السماء”. المفارقة أنّ التقليد الآبائيّ نفسه لم يكن غريبًا عن هذا الوعي التاريخيّ، فالآباء قرأوا النصّ في ضوء سياقه، وميّزوا بين الحرف والروح، من دون أن يروا في ذلك خطرًا على الإيمان!
الخوف الأصولي إذًا ليس دفاعًا عن النصّ بقدر ما هو دفاع عن صورة معيّنة عنه: نصّ بلا تاريخ، بلا نموّ، بلا وساطة بشريّة. لكنّ الإيمان الكتابي نفسه بما فيه العهد القديم يقوم على فكرة التجسّد، فكلمة الله تدخل التاريخ، وتحترمه، وتسكنه من دون أن تلغيه. والمنهج التاريخيّ، في أفضل حالاته، لا يفعل أكثر من الإصغاء لهذا التجسّد.
لهذا، ما تراه الأصوليّة تهديدًا هو في الحقيقة دعوة إلى نضج القراءة. أن نحبّ النصّ ونحترمه ونقدّسه بما يكفي لنسمح له بأن يتكلّم من داخل تاريخه، لا من داخل مخاوفنا، فهو عملٌ مشترك بين الله والبشر. والنصّ الذي عاش في التاريخ لا يخاف التاريخ بل يزدهر ويُفهم بطريقة أعمق عندما يُقرأ فيه.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى...





