— لقاء بابوي مع كهنة ورهبان الكنائس الأرثوذكسية الشرقية في الفاتيكان
جرجس منير حنا
دعا قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى تنقية القلوب من الأحكام المسبقة وروح الإدانة، مؤكدًا أن الطريق إلى الوحدة المسيحية الحقة يمرّ عبر تطهير الداخل وتعميق المحبة المتبادلة، لكي تصبح وحدة الكنائس خميرة للسلام على الأرض ولمصالحة الجميع.
جاء ذلك خلال استقباله، صباح اليوم، وفدًا من الكهنة والرهبان الشباب من الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، المشاركين في الزيارة الدراسية إلى روما التي ينظمها الديكاستيريا المعني بتعزيز وحدة المسيحيين، وذلك في قاعة الكونسيستوار بالقصر الرسولي في الفاتيكان.
حضر اللقاء نيافة الأنبا برنابا، متروبوليت تورينو وروما للأقباط الأرثوذكس، ونيافة المتروبوليت المطران خاجاك بارساميان ، المندوب الكاثوليكوسيّ لغرب أوروبا للأرمن الأرثوذكس، إلى جانب عدد من الكهنة والرهبان ممثّلي الكنائس الأرثوذكسية الشرقية: الأرمنية، والقبطية، والسريانية، والإثيوبية، والإريترية، المالانكارية.
وفي كلمته، ثمّن قداسة البابا هذه الزيارة، معتبرًا إياها فرصة متبادلة للتعرّف المتعمّق وتعزيز جسور الثقة والتواصل بين الكنائس، مشيرًا إلى أن التنوّع التاريخي والثقافي لا ينتقص من وحدة الكنائس، بل يشكّل غنىً روحيًا وتراثًا مسيحيًا مشتركًا.
نص كلمة قداسة البابا لاون الرابع عشر:
«سَلاَمٌ لَكُمْ جَمِيعِكُمُ الَّذِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ!. آمِينَ»
بهذه الكلمات من الرسالة الأولى للقديس بطرس (1 بط 5: 14)، أرحّب بكم، أيها الكهنة والرهبان الذين تمثّلون الكنائس الأرثوذكسية الأرمنية، والقبطية، والسريانية، والإثيوبية، والإريترية، المالانكارية. وأوجّه تحية أخوية خاصة إلى سيادة المتروبوليت الأنبا برنابا، وإلى سيادة المطران خاجاك بارساميان، المرافقين لكم.
كما أودّ أن أعبّر عن تقديري العميق وامتناني للآباء الموقّرين، رؤساء كنائسكم الأرثوذكسية الشرقية، الذين عهدوا إليكم بالمشاركة في هذه الزيارة الدراسية التي ينظمها الديكاستيريا المعني بتعزيز وحدة المسيحيين.
أرجو أن تكون هذه الزيارة قد منحتكم فرصة واضحة للتعرّف بشكل أعمق على الكنيسة الكاثوليكية، ولا سيّما على الكوريا الرومانية والمؤسسات التعليمية في روما. وأنا واثق أن حضوركم كان أيضًا بركة لكل من التقاكم هنا، إذ أتاح لهم التعرّف عن قرب على كنائسكم وتقاليدكم الروحية.
كما تعلمون، احتفلنا مؤخرًا بأسبوع الصلاة من أجل وحدة المسيحيين، وكان موضوعه مستقى من رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل أفسس، حيث يشدّد الرسول على أهمية الوحدة في الإيمان قائلًا:
«جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ» (أف 4: 4).
تنقّل القديس بولس في مناطق واسعة، شملت إسرائيل وآسيا الصغرى وسوريا والعربية وحتى أوروبا. وخلال تأسيسه وزيارته للعديد من الجماعات المسيحية، تعرّف على خصوصية كل كنيسة من حيث ثقافتها وتقاليدها والتحديات التي تواجهها. وكان واعيًا أيضًا لخطر انغلاق هذه الجماعات على نفسها والانشغال الزائد بقضاياها الخاصة، لذلك شدّد باستمرار على أنها جميعًا تنتمي إلى الجسد الواحد للمسيح.
أيها الأصدقاء الأعزاء، إن الاختلافات التاريخية والثقافية في كنائسنا تشكّل فسيفساء جميلة لتراثنا المسيحي المشترك، وهو أمر يمكننا جميعًا أن نعتزّ به. وفي الوقت ذاته، ينبغي علينا أن نواصل دعم بعضنا بعضًا لكي ننمو في إيماننا المشترك بالمسيح، الذي هو مصدر سلامنا الحقيقي (راجع أف 2: 14).
وهذا يتطلّب منّا أن نتعلّم تنقية قلوبنا من روح الخصومة ومن أسلوب الإدانة. وكما قال البطريرك أثيناغوراس، أحد روّاد الحركة المسكونية، في صلاة مؤثّرة:
«لقد تحرّرتُ من رغبتي في أن أكون دائمًا على حق، ومن تبرير نفسي عبر التقليل من شأن الآخرين»، ومن خوض «أقسى الحروب، وهي الحرب ضدّ ذواتنا».
فعندما نزيل الأحكام المسبقة الكامنة في داخلنا، ونحرّر قلوبنا من كل ما يعوق الشركة، ننمو في المحبة، ونتعاون بصورة أوثق، ونقوّي روابط وحدتنا في المسيح. وبهذا تصبح وحدة المسيحيين أيضًا خميرةً للسلام على الأرض ولمصالحة الجميع.
أيها الإخوة الأعزاء في المسيح، أجدّد شكري لكم على هذه الزيارة، وأؤكّد لكم أنني أذكركم في صلواتي. ليبارككم الرب، ولتحفظكم السيدة العذراء مريم، والدة الإله، أنتم وكنائسكم المحبوبة.
ثم دعا قداسة البابا الحاضرين إلى الصلاة معًا بصلاة «أبانا الذي في السماوات»، واختتم اللقاء بمنح البركة الرسولية.
يأتي هذا اللقاء ضمن الجهود المسكونية المستمرة التي تقوم بها الكنيسة الكاثوليكية بالتعاون مع الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، لتأكيد أن وحدة المسيحيين ليست أمرًا ثانويًا، بل هي شهادة حيّة للإنجيل ورسالة روحية مشتركة في عالم يحتاج إلى السلام والمصالحة.




