بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أرسلهُم اثنين اثنين، وذلك كقُول الكتاب: اثنان خيرٌ من واحدٍ لأن لهما أجرةً لتعبهما صالحة، لأنه إن وقع أحدهما يُقيمه رفيقه، وويل لمَن هُو وحده إن وقع إذ ليس ثانٍ ليُقيمه، والخيط المثلُوث لا ينقطع سريعاً، أنظر (جا9:4-12)، ولعل إرسالهما هكذا لكي ينشغل أحدهما بكلمة الوعظ، ويكُون الآخر مُصلياً له، فتلتحم الكلمة وتتحد بالصلاة فيكُون لها ثمرها، ورقم اثنين يُشير إلى المحبّة، فهي إرسالية حُب مُقدمة من الله للبشر، لوجُود وصيتين عن الحُب: حُب الله، وحُب قريبنا..
الكنيسة هي بيت المحّبة لن تستطيع أن تكرز في العالم ما لم تحمل رُوح الحُب في خدامها وكُل شعبها، وخلال هذا الحُب يتمجد الله مباركاً كُل عمل مهما بدا صغيراً، وبدُون المحّبة تفقد الخدمة كُل ثمارها..
ثانياً: أعطاهُم سلطاناً على الأرواح النجسة، إن كان عدُو الخير قد ملك على قلب الإنسان، فالحاجة مُلحة للسلطان ضد هذا العدُو، أي أن المعركة الحقيقية مُوقعها القلب وطرفاها الله والشيطان، فالعداوة في الواقع ضد عدُو الخير نفسه الذي يخدع القلُوب ويُحوّلها لحسابه..
ثالثاً: وأوصاهُم أن لا يحملُوا شيئاً للطريق غير عصاً فقط، إن كان قد وهبهُم سلطاناً على الشياطين منحة منه للعمل، فما هُو عملهُم؟!
مقابل هذه العطية الإلهية سألهُم أن يعلنُوا ثقتهُم فيه بعدم الاهتمام بهذا العالم واحتياجاته، فتكُون كرازتهُم لا بالفم وحده، وإنما بتجردهُم وثقتهُم بالله الذي يعُولهُم ويهتم بهُم، فالوصايا تحمل مفاهيم رُوحية عميقة، أراد أن يُعلن أنه هُو نفسه عصاهُم يتكئُون عليه بقلُوبهُم، ويختفُون فيه ليسندهُم على الدوام لكنه هُنا يسمح لهُم بالعصا إشارة إلى الصليب، إذ لا تقُوم الكرازة ما لم يحمل الكارز عصا الصليب، لأنه قد وُهب لكُم لأجل المسيح لا أن تُؤمنُوا فقط، بل أيضاً أن تتألمُوا لأجله (في29:1)..
رابعاً: لا يحملُوا مزوداً ولا خبزاً ولا نحاساً في المنطقة، حتى يكُون الرّب نفسه هُو طعامهُم وشرابهُم وغناهُم..
لعل المزُود يُشير إلى ثقل أتعاب هذه الحياة، والخبز إلى مباهجها، أما النحاس في المنطقة فيُشير إلى دفن المواهب، وكأنه لا يليق بالكارز وقد اهتم كطبيب رُوحي بخلاص إخوته أن يرتبك بثقل همُوم العالم وملذاته، ولا يليق به دفن مواهبه التي قد تقبلها من يدي خالقه..
ونلاحظ أن: الوصية بالنسبة للتلاميذ مُشدّدة، فلا يحملُوا حتى المزود، الذي فيه الضرُورات، ولا الخبز وهُو أساسي في الطعام، ولا نحاساً في المنطقة، إذ اعتاد اليهُود أن يحملُوا فيها عملات صغيرة..
خامساً: أوصاهُم أن يكُونُوا مشدُودين بنعالٍ، ولا يلبسُوا ثُوبين، يُطالبهُم السيد بأن يشدُوا نعالهُم، وهي تُشير إلى التحرك المُستمر، والعمل الكرازي غير المُنقطع، فيكُون الكارز سائراً بنعليه بغير توقف، خاصة وأن طريق الكرازة مملُوء بالأشُواك والضيقات والمتاعب..
أن شد النعال الداخلية للقلب يُشير إلى الاستنارة للتعرف على طريق الله كقُول المُرتل: سراجٌ لرجلي كلامك ونُورٌ لسبيلي (مز119)، فلا تتسخ أعماقنا بتراب هذا العالم ودنسه، هكذا يليق بالكارز أن يشد الحذاء الداخلي الحقّ، بعد أن يخلع نعليه القديمين، مُتخلياً عن جلد الحيوانات الميتة التي تصنع منها النعال، فيصير كمُوسى الذي خلع نعليه في الأرض المُقدسة، ليرى العليقة النارية ويقبل دعُوة الله للعمل القيادي..
ينهينا السيد عن ارتداء ثُوبين، فإن من لبس المسيح (رو12:13-14)، لا يليق به أن يلبس العالم كثُوب يرتديه، ومَن اختفى في الرّب مُقدسنا لا يعُود يلبس محّبة الزمنيات والأرضيات والماديات..
سادساً: قال لهُم: حيثُما دخلتُم بيتاً فأقيمُوا فيه حتى تخرُجُوا من هُناك، أراد بهذه الوصية ألا تشغلهُم المجاملات، ومحّبة الإخوة العاطفية عن جدية العمل الكرازي، فإن كانت البيُوت تفتح بالحُب من أجل الساكن فيهُم، فيليق بهُم ألا ينحرفُوا عن غايتهُم الرُوحية، ولا يتكاسلُوا عن رسالتهُم ألا وهي البلُوغ بكُل نفس اشتراها الرّب إلى حضن الآب، وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً (يو24:14)..
ما هُو هذا البيت الذي دخلناه، ويلزم أن نُقيم فيه حتى نخرج من هُناك إلا الحياة الإنجيلية الكنسية، فإنها حياة ملائكية قبلناه كبيت رُوحي نعيش فيه لنحيا في السماوات، وأقامنا وأجلسنا معه (أف6:2)..
سابعاً: وكُل مَن لا يقبلكُم ولا يسمع لكُم، فاخرُجُوا من هُناك وانفضُوا التراب الذي تحت أرجلكُم شهادة عليهُم، نفض التراب يعني أن الكارز قد احتمل مشاقة الطريق، وصار شاهداً على رافضهُم..
في هذا التصرف يجعل التلاميذ لا يفقدُون جراءتهُم بل يزدادُون شجاعة فإنهُم يعلنُون أنهُم ينفضُون كُل ما هُو مادي، يتركُون لهُم ترابهُم وفكرهُم الأرضي ليعيشُوا ملتصقين بما هُو سماوي، اعتاد اليهُود قديماً حينما يكُونُون قد انطلقُوا خارج فلسطين، ففي عُودتهُم إليها ثانيةً ينفضُون الغبار قبيل دخُولهُم الأرض المُقدسة، ليعلنُوا أنهُم عادُوا إلى أرض المُوعد لا يحملُون دنس العالم الوثني وترابه، بل هُم محبُون للقداسة..
ثامناً: فخرُجُوا وصارُوا يكرزُون أن يتُوبُوا، وأخرُجُوا شياطين كثيرةً، ودهنُوا بزيتٍ مرضى كثيرين فشفُوهُم، كان محُور كرازتهُم:
ملكُوت السموات، طريقة التُوبة الصادقة النابعة عن الإيمان بالسيد الذي يملك على القلب، أما ثمر هذه الكرازة فهُو شفاء النفس بإخراج الشياطين، وشفاء الجسد بموهبة الشفاء خلال الدهن بالزيت..
ويلاحظ أن: عملية الدهن بالزيت لم تكن عملية فردية قام بها تلميذ دُون آخر، بل هُو عمل جماعي قام به التلاميذ جميعاً أثناء عملهُم الكرازي، فلا بد أن تكُون هُناك وصية إلهية ألزمتهُم بها عند إرسالهُم، هذه الوصية كشفها مُعلمنا يعقُوب الرسُول، إذ يقُول: أمريضٌ أحدٌ بينكُم؟ فليدع شيُوخ الكنيسة فيُصلُوا عليه ويدهنُوه بزيتٍ باسم الرّب (يع14:5)..
واضح من النص أن الشفاء لم يكن يتم كأثر طبيعي للزيت، إنما كان دهن الزيت يُمارس كعمل سري خارق مثله مثل وضع الأيدي، ولا ننكر أن التلاميذ قد مارسُوا هذا العمل..
وفي النهاية تمم التلاميذ الإرسالية بنجاح..
سمع هيرُودُس عن السيد وأعماله العجيبة، فظن أنه يُوحنا المعمدان الذي قتله ثمناً لرقصة فتاة في يوم ميلاده قد قام، وهذا الفكر كان شائعاً عند اليهُود، أن القديسين الذين يستشهدُون يقُومُون مرة أخرى في هذا العالم بعد أن يهبهُم الله سلطاناً خاصاً بعمل القُوات، وإن ظنُون هيرُودُس هذه تكشف عما يجُول في أعماقه، فإن كان قد سلّم صُوت الحقّ للسيف وقدم رأس يُوحنا لراقصة، لكن الصُوت بقى يدوي في أعماقه بلا هدُوء، ولا توقف، وهُناك ثلاثة اتجاهات بالنسبة لشخص السيد:
(1) نظرة الخائفين كهيرُودُس، فقد ظن أن الذي قتله قد قام، ومع هذا لم يقدم تُوبة، بل كمل طريق شره والتصق بامرأة أخيه فيلبس في حياته، وقد سماه السيد المسيح ثعلباً (لو32:13؛ 7:23-12)..
(2) نظرة الماديين، جاء السيد للخلاص، وبالرغم الأعمال الفائقة التي قدمها تشهد له قالُوا أنه إيليا، إذ كان هُؤلاء الماديُون يتُوقعُون مجيء إيليا قبل المسيّا ليُمهد له الطريق، حيث يأتي المسيّا على السّحاب علانية، ويرد المُلك لإسرائيل على مستوى زمني مادي..
(3) نظرة اليائسين، هُؤلاء الذين في يأسهُم عاش إسرائيل قرابة 300 عاماً بلا نبيّ، وظنُوا في السيد المسيح أنه أحد الأنبياء، هذه النظرات الثلاث لم تبلغ الحقّ، ولا أدركت شخص المسيّا، فالحاجة إلى الله نفسه الذي يهب الإعلان في الداخل، ويكشف عن الحقّ السماوي..
الموضع خلاءٌ والوقت مضى، اصرفهُم لكي يمضُوا إلى الضياع والقرى ويبتاعُوا لهُم خُبزاً، لأن ليس عندهُم ما يأكلُون..





