بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لماذا يهتم الكتاب المُقدس بنسب السيد المسيح، فيذكره الإنجيلي متى في الافتتاحية، والإنجيلي لُوقا بعد عماد السيد (لو3)؟!
أولاً: نحنُ نعلم أن الغنُوسية بدأت جذُورها في وقت مبكر جداً، حيثُ أنكرت حقيقة التأنس، مُدعية أن السيد المسيح قد ظهر كخيال أو وهم، إذ يكرهُون الجسد، ويعادُونه كعنصر ظُلمة..
أن ذكر الأنساب إنما هُو تأكيد لحقيقة التجسد الإلهي، هذا الذي كان قبل الدهُور مساوياً في الأزلية للآب ذاته، هُو نفسه الذي حُسب في الأنساب حسب الجسد، لأنه إذ هُو إله في الحقيقة، صار هُو ذاته في آخر الأزمنة إنساناً بدُون تغيير، وقد أظهره متى مشتركاً في طبيعتنا حتى لا يقُول أحد أنه ظهر كخيال أو وهم، أنظر (إش8:53)..
ثانياً: أراد مُعلمنا متى تأكيد أن يسُوع هُو: المسّيا الملك المُنتظر، لهذا يفتح سلسلة الأنساب بقُوله: كتاب ميلاد يسُوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم، لقد ترك متى كُل الأسماء ليذكر داود وإبراهيم، لأن الله وعدهما بصراحة بالمسيح، إذ قال لإبراهيم: ويُبارك في نسلك جميع أمم الأرض، ولداود قال: من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك (تك22؛ مز132)..
ليُعلن أنه الملك المُختفي وراء طبيعتنا البشرية، والمُتخلي عن كمال مجده وبهائه، حتى يُعطي للشيطان فرصة الدخُول معه في معركة كسائر البشر، فيغلب السيد لحسابنا، وإن اختفاءه يهبنا الفرصة لقبُولنا إياه فلا نهاب بهاءه ونهرب منه، بل نقبله ونتحد به ونثبت فيه..
ثالثاً: أراد بهذا النسب تأكيد أنه من نسل إبراهيم، أب جميع المُؤمنين الذي نال المواعيد، إنه بنسله تتبارك جميع أمم الأرض، كأنه قد جاء كسرّ بركة لجميع الأمم، مُقدماً أبُوة فائقة لا تقف عند علاقة الجسد والدم، إنما قدم الأبُوة السماوية لكُل مُؤمن من كُل جنس وأمة!!
قدم لنا مُعلمنا متى نسب الملك قبل عرضه أحداث الميلاد، بينما قدمه مُعلمنا لُوقا بعد عرضه للعماد المُقدس، فلماذا؟!
أولاً: جاء النسب هُنا في ترتيب تنازلي يبدأ بإبراهيم وينتهي بيُوسُف رجُل مريم الذي وُلد منها يسُوع الذي يُدعى المسيح، أما في إنجيل مُعلمنا لُوقا فجاء النسب في ترتيب تصاعدي من يسُوع الذي على ما كان يُظن ابن يُوسُف (مت1:1؛ لو23:3) إلى آدم ابن الله..
يتحدث الأول قبل أحداث الميلاد ليُعلن أن كلمة الله المُتجسد هذا، وإن كان بلا خطية وحده، لكنه جاء من نسل خاطيء ليحمل عنا الخطايا التي ورثناها أباً عن جد، لذا جاء الترتيب تنازلياً، وكأن الخطايا تنحدر من جيل إلى جيل ليحملها السيد المسيح على كتفيه، أما الإنجيل الآخر فيلتزم بالترتيب التصاعدي إذ يأتي بعد المعمُودية مُعلناً عطية الرّب خلالها حيثُ يردنا إلى حالتنا الأولى، فمتى الإنجيلي يُعلن المسّيا حامل خطايانا، بينما لُوقا الإنجيلي يُعلن تمتعنا بالبنُوة لله فيه..
ثانياً: اختلاف النسب في القائمتين مرجعه أن متى وهُو يُعلن عن السيد المسيح كحامل لخطايانا يذكر النسب الطبيعي، حسب اللحم والدم، بينما لُوقا إذ يُعلن عن بنُوتنا لله في المسيح يسُوع يذكر النسب الشرعي حيثُ يُمكن لإنسان أن يُنتسب لأب لم يُولد منه جسدياً..
نذكر على سبيل المثال، كان يُوسُف ابناً ليعقُوب جسدياً، لكنه ابن هالي شرعاً، لأن هالي مات دُون أن ينجب ابناً، فتزوج يعقُوب امرأته لينجب له نسلاً فلا يمحى اسمه من إسرائيل (تث5:25)..
وكأن يُوسُف خطيب مريم هُو ابن لداود الملك حسب القائمتين: سواء النسب الطبيعي أو الشرعي، بالرغم من إختلافهما..
ثالثاً: إذ كان متى البشير يتحدث إلى اليهُود، ليُؤكد أن يسُوع هُو: المسّيا المُنتظر، بدأ بإبراهيم المُختار، أما لُوقا البشير إذ يكُتب للأمم انتهى النسب بآدم ابن الله، ليضُم البشرّية كُلها للبنُوة لله..
رابعاً: النسب خاصاً بيُوسُف لا مريم، مع أن المسيح ليس من زرعه، لأن الشريعة تُنسب الشخص للأب وليس للأم..
إن كان يُوسُف ليس أباً له خلال الدم، لكنه تمتع ببركة الأبُوة خلال التبني، لذلك نجد مريم نفسها التي أدركت سرّ ميلاده العجيب تقُول للرّب: لماذا فعلت بنا هكذا؟! هُوذا أبُوك وأنا كُنا نطلبك معذبين (لو48:2)، فإن كانت الشريعة تُقيم للميت ابناً، متى أنجبت امرأته من الولي، فبالأولى ينسب السيد المسيح كابن ليُوسف وهُو ليس من زرعه..
خامساً: لم يذكر النسب أسماء نساء عظيمات يفتخر بهن اليهُود كسارة ورفقة وراحيل، إنما ذكر ثامار التي ارتدت ثياب زانية، وراحاب الكنعانية، وبتشبع التي لأوريا مظهراً خطيتها مع داود الملك، ليكشف أن طبيعتنا التي أخطأت وسقطت، هي التي جاء المسيح لعلاجها..
لقد بشر بنسب الملك في حرّية دُون أن يخفي ما يبدُو مُخزياً، كاسراً تشامخ اليهُود الذين يُكرّرُون القُول أنهُم نسل إبراهيم، جاء كطبيب يُعالج ضعفنا، لا كديان ينتظر محاكماتنا وإدانتنا..
سادساً: ذكر مُعلمنا متى في النسب بعض النساء الأمميات مثل راعُوث المُوآبية، وراحاب الكنعانية، ليُعلن أنه جاء من أجل البشرّية كُلها ليُخلّص الأمم كما اليهُود، فنجد راعُوث رمزاً لكنيسة الأمم التي تركت بيت أبيها والتصقت بكنيسة الله وقبلت العضُوية فيها..
هكذا إذ يتقبل المسيح الكنيسة بكُونها غريبة وفي فقر يأخذها كشريكة في البركات، لكنها يجب أن تكُون كراعُوث، فإن لم تترك أولاً أباها وترفض بيتها وجنسها، لن تحصل على هذا الزواج..
انسي شعبك وبيت أبيك، لأن الملك اشتهى حسنك (مز45)..
سابعاً: من بين أسلاف المسيح أشخاص لهُم إخوة، ويلاحظ أن السيد قد جاء بصفة عامة مُنحدراً لا من الأبناء البكر، بل ممَن هُم ليسُوا أبكاراً حسب الجسد مثل إبراهيم ويعقُوب ويهُوذا وداود..
لقد جاء ليُعلن أن البكُورية لا تقُوم على الولادة الجسدية، وإنما على استحقاق الرُوح، جاء آدم الثاني بكر البشرّية كُلها، فيه يصير المُؤمنُون به أبكاراً، وتُحسب كنيسته كنيسة أبكار (1كو20:15)..
ثامناً: ذكر مُعلمنا متى في نسب السيد فارص دُون زارح، لأن فارص يُمثل كنيسة الأمم التي صارت بكراً باتحادها بالسيد المسيح البكر، بينما زارح يُمثل اليهُود الذين فقدُوا البكُورية برفضهُم الاتحاد مع البكر، أخرج زارح يده أولاً بكُونه الابن البكر، لكنه لم يُولد أولاً بل تقدمه فارص فاحتل مركزه ونعم بالبكُورية، هكذا ظهر اليهُود أولاً كبكر للبشرّية، لكنهُم حرمُوا من البكُورية وتمتع بها الأمم عوضاً عنهُم..
تاسعاً: ذكر سبي بابل ليُؤكد أنه بالرغم من تأديبات الشعب بالسبي زماناً طويلاً، لكنه حافظ على أنسابه ليتحقق الوعد الإلهي بمجيء المُخلّص، لأنهُم لم يعُودُوا بعد يخافُون المصريين بل البابليين..





