محرر الأقباط متحدون
استقبل البابا لاون الرابع عشر صباح اليوم الجمعة في قاعدة كلمنتينا بالفاتيكان المشاركين في أعمال الجمعية العامة لدائرة العلمانيين والعائلة والحياة ووجه لهم كلمة توقف فيها عند معنى وأهمية التنشئة المسيحية.

استهل الحبر الأعظم خطابه مرحباً بضيوفه ومعربا عن سروره للقائهم ولفت إلى أن أعمال الجمعية العامة للدائرة الفاتيكانية تتمحور حول موضوعي التنشئة المسيحية واللقاءات العالمية، وهما مسألتان هامتان بالنسبة للكنسية كلها. بعدها أشار البابا إلى أن اللقاءات العالمية تشهد مشاركة أعداد كبيرة من الأشخاص وتتطلب بالتالي جهودا عملاقة على الصعيد التنظيمي، فضلا عن الإصغاء والتعاون مع الجماعات المحلية والأفراد والهيئات، ومن بينها تلك التي تتمتع بخبرة طويلة على صعيد الكرازة بالإنجيل.

هذا ثم قال لاون الرابع عشر إنه يود أن يتوقف بنوع خاص عند موضوع التنشئة المسيحية. ولفت إلى أن أعمال الجمعية العامة تجري تحت شعار مأخوذ من رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية: "يَا أَوْلَادِي ٱلَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ ٱلْمَسِيحُ فِيكُمْ." وأوضح البابا في هذا السياق أن رسول الأمم يتوجه إلى الغلاطيين ويدعوهم "أولاده"، مشيرا إلى مخاض الولادة الذي حملهم من خلاله على قبول المسيح، ولم يخل هذا المخاض من الألم. واعتبر الحبر الأعظم أن التنشئة تشبه الولادة إلى حد بعيد، تشبه وهب الحياة، وتقود التلميذ نحو الاتحاد الحيوي مع شخص المخلّص، الحي والذي يعمل في كل تلميذ، وهو قادر على جعل الحياة في الجسد حياة في المسيح الموجود معنا.

وذكّر البابا بأن هذا الموضوع يكتسب أهمية بالنسبة للرسول بولس، وهو حاضر في كل رسائله، ففي الرسالة التي توجه من خلالها إلى أهل كورنتس، على سبيل المثال، كتب لهم: "لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ ٱلْمُرْشِدِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ، لَكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لِأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ بِٱلْإِنْجِيلِ". وقال البابا إنه في الكنيسة يقوم المنشّئ بدور المرشد أو المربّي، ويلتزم في نقل التوجيهات والتعليمات والكفاءات الدينية إلى الآخرين، لكنه في الوقت نفسه يلعب دور "الوالد" الذي يولد التلاميذ في الإيمان. وأوضح لاون الرابع عشر في هذا السياق أن رسالتنا هي أسمى من ذلك، وبالتالي لا يسعنا أن نتوقف عند نقل العقيدة، أو الملاحظات أو حتى المبادئ الخلقية، إذ إننا مدعوون لمقاسمة حياتنا بسخاء وبمحبة صادقة تجاه النفوس، وباستعداد للتألم من أجل الآخرين، وبتفانٍ لا يعرف تحفظات، تماما كالوالدين الذين يضحون بكل شيء من أجل خير أبنائهم.  

لم تخل كلمات الحبر الأعظم من الحديث عن بعد آخر للتنشئة ألا وهو بعد الشركة. وقال إن الحياة تُعطى من خلال الحبّ بين الرجل والمرأة، وهكذا فإن الحياة المسيحية تحركها محبة الجماعة، موضحا أن من يولّد الإيمان ليس الكاهن أو معلم الدين، بل الكنيسة بأسرها، كما كتب البابا فرنسيس في الإرشاد الرسولي "فرح الإنجيل". إذ إن الكنيسة المتحدة التي تتألف من العائلات والشبان، والمكرسين، تحركها المحبة وهي ترغب في أن تكون خصبة، وأن تنقل للجميع، لاسيما للأجيال الفتية، الفرح ومعنى الحياة. وأكد البابا أن ما يوقظ لدى الوالدَين الرغبة في إنجاب البنين ليس الحاجة لأن يمتلكا شيئا ما، بل التوق للعطاء ولمقاسمة فائض الحب والفرح السكانين فيهما. وهنا تكمن جذور التنشئة.

تابع لاون الرابع عشر يقول إن الرب يسوع وبعد قيامته من بين الأموات أوكل للرسل المهمة الإرسالية، طالباً منهم أن يتلمذوا جميع الأمم، وأن يعمّدوها ويعلموها أن تحفظ وصاياه. وأكد البابا أنه في هذه التعابير نجد خلاصة العناصر الأساسية لرسالة المنشّئ. إذ لا بد قبل كل شيء أن نعزز مسارات مثابرة في الحياة، تشمل الآخرين وتقود نحو المعمودية والأسرار، وإلى إعادة اكتشافها لأن من دونها لا توجد حياة مسيحية، كما كتب البابا الراحل بندكتس السادس عشر في الإرشاد الرسولي "سر المحبة". وشدد البابا بريفوست على ضرورة أن يرافَق الأشخاص المنخرطون في مسيرة إيمانية كي ينضجوا ويختبروا حياة جديدة، تعانق كل بيئات الوجود، على الصعيدين الخاص والعام. كما لا بد أن نولي اهتماما خاصا بأبعاد التنشئة الهادفة إلى إرساء أسس احترام الحياة البشرية في كل مراحلها، لاسيما حماية القاصرين والأشخاص الضعفاء من الانتهاكات، كما يتعين علينا أن نرافق ضحايا تلك التعديات ونساعدهم.

بعدها لفت الحبر الأعظم إلى أن فن التنشئة ليس سهلاً، ولا يمكن أن يُرتجل، إذ يتطلب الصبر والإصغاء والمرافقة على الصعيدين الفردي والجماعي، وهو متصل أيضا بخبرة الأشخاص الذين سبقونا كي نأخذ منهم العبر، ومن بينهم – على سبيل المثال – القديسون أغناطيوس دي لويولا، فيليبو نيري وأغسطينس وقد ترك هذا الأخير تعاليم وتوجيهات ما تزال آنية حتى يومنا هذا. في هذا السياق حثّ البابا ضيوفه على مواصلة التزامهم بشجاعة وشكرهم على دعمهم للدائرة الفاتيكانية للعلمانيين والعائلة والحياة. وقال إن التحديات التي يواجهونها قد تبدو أحياناً كثيرة أنها تتخطى قوانا ومواردنا، وهنا ينبغي ألا نصاب بالإحباط، إذ لا بد من الانطلاق من الأمور الصغيرة، كحبة الخردل التي يتحدث عنها الإنجيل، تحركنا الثقة بأن الرب سيمنحنا الطاقة والنعم اللازمة.

في ختام كلمته إلى ضيوفه طلب لاون الرابع عشر من الحاضرين أن يقتدوا بإيمان العذراء مريم موكلين أنفسهم إلى شفاعتها. ووجه لهم كلمة شكر على الجهود التي يقومون بها، وقال إنه يتذكرهم دائما في صلواته مانحاً الجميع بركاته الرسولية.