عادل نعمان
كان ظهور الإسلام السياسى فى ثوبه الجديد مرافقًا للنظم السياسية الحديثة التى نادت بحرية الاعتقاد والفكر، ومبادئ الديمقراطية والعدالة والمساواة والمواطنة، ولم يكن هذا المفهوم السياسى مناهضًا للدين أو متصادمًا معه، بل كان الدين مصدر إلهام وترغيب لمن نادى بقيم الخير والحرية والسلام والديمقراطية وحرية العقيدة والرأى، على اعتبار أن قيم الأديان ليست بعيدة عن القيم التى نادت بها هذه الأنظمة السياسية، وهى من صميم الدين، والهدف والمقصد من الأديان كلها، ولأن الدين فى جوهره ثورة على الظلم ويسعى لتحقيق العدالة ونصرة المظلومين ورفض كافة صور الاستعباد ومحاربة الباطل وتثبيت حق المواطن فى حرية الاعتقاد، أليس الأمر كذلك؟ إلا أن الرياح قد أتت بما لا تشتهى السفن، فقد فرق المشايخ هذا الجمع، وأبعدوا الدين عن هذا المنحى، وأظهروا العداء لكل من ينادى بقيم الديمقراطية وحرية الاعتقاد والمواطنة، ومنهم من نادى بحرية دخول الدين وحرَّم وكفَّر الخروج منه لغيره، فبدا وكأن الحرب كانت صناعة الطرفين وليس الأمر كذلك، فقد كان الحق فى اختيار أسلوب الحكم كفيلًا بأ ن يضمن سلامة الوسيلة، وقد أظهرنا من قبل مظاهر هذا العداء والتى ما كان يجب أن تظهر على السطح، فما جاء من عند الله خير وأبقى وهكذا يجب أن يكون.

ولما قدم الإسلام السياسى نفسه بديلًا عن هذه الأنظمة الحديثة فى الحكم، كان يجب أن يحافظ على قيم الخير والسلام التى جاء بها، بل يزيدها علوًّا ورقيًّا، ولا يكون كمن يشد العجلة إلى الخلف، أو يعيدها سيرتها الأولى، إلا أن الحقيقة العملية أن التعارض بين قيم الحداثة ستظل فى صدام اليوم وغدًا مع الأطر التقليدية للدين شئنا أم أبينا، وما ينادى به البعض من خلق سبل للتفاهم بينهما هو أمر غاية فى الصعوبة والاستحالة، ربما من يقدر على ذلك ما زال فى رحم الأيام وله موعد وقدر.

وأول عائق فى هذا الشأن أن التعامل مع الغلو والتطرف المفرط الذى ينتسب لرجال الدين حائل ومانع صلد يمنع التفاهم منعًا باتًّا، بل إن زحزحة هذا الغلو ولو قليلًا لإيجاد منفذ للتفاهم، أو نقطة هادئة يبدأ منها الحوار والنقاش أمر محال، ولا أتصور تجديد خطاب إنسانى بين متخاصمين ومتصارعين ومتشددين يغلق طرف أبوابه فى وجه الآخر ويصده صدودًا.

والعائق الثانى أن الخطاب الدينى الراديكالى السائد مستغرق فى مفاهيم قد تجاوزها الزمن منها الجهاد، والولاء والبراء، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتحريم مودة الكافرين، والحجاب والنقاب والاختلاط، وتحريم الفنون والموسيقى، وأوهام مؤامرة الغرب على الإسلام والمسلمين، وعلاقة الدين بالدولة، والحاكمية، والخلافة، والعلمانية، دون أن يحقق تقدمًا يشعر به المواطن اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو أخلاقيًا أو تأثيرًا إيجابيًا فى بنية المجتمع، أو درء مفسدة على مستوى الفرد والمجتمع، ولو استعرضنا مفاهيمه السابقة لوجدنا أن كل واحدة منها كفيلة بإضاعة الوقت قرونًا عِددًا دون تجديد أو مراجعة .

خامسًا: المنافع والمصالح الشخصية والتى تحيط بمعظم من يتداولون قضية تجديد الخطاب الدينى، بحيث تحول الأمر إلى معارك جانبية تناولت التشهير برواد التجديد وملاحقتهم دون اعتبار لقضايا التجديد، ناهيك عن غياب الرؤية الكاملة لبرنامج التجديد من قبل غالبية رجال الدين وأيضًا النخبة وكذلك المسؤولون فى الدولة الذين تهمهم فكرة التجديد، سوى ما يظهر من الأحداث من رغبات وأمنيات تتوالى بعضها بعد بعض دون خطة شاملة، فتظهر على السطح مشاركة الأعمام ميراث البنات، ثم تظهر مشكلة الطلاق الشفوى فتصبح المعارك دائمة دون خطة ومنهج معتبر ووفق رؤية تأخذ بعين الاعتبار نظام الدولة وطموحات الشعب ومتطلباته دفعة واحدة.

ثانيًا: هناك عائق أعتبره الأب الشرعى ألا وهو هذا العهد والربط بين الدين والسياسة، بحيث تظن عند النقاش والحوار أن الخطاب موجه إلى رجال الدين إلا أن البت فيه والموافقة على التجديد عند رجال السياسة، هذه الخلطة بين الدينى والسياسى، وأهداف ومصالح الطرفين قد أذابت الحدود بين واجبات ومهمات كل طرف من الطرفين، فلا تعرف من المسؤول عن التجديد ومن المستجيب ومن الرافض ومن المعطل! الأغرب أنه لمن تتوجه لأى من الطرفين فى مهمة التجديد، فيبدو الأمر أحيانا فى يد رجال الدين إلا أن الحقيقة هى فى جيب رجال السياسة وهلم جرًّا، ومن ثم أصبح التجديد ذا طابع سياسى يرفضه السياسيون كحرية الرأى، وذا طابع دينى يرفضه رجال الدين كحرية العقيدة.

العقبات كثيرة، وهذه بعض منها، ربما يتحقق التجديد يومًا ما.

(الدولة المدنية هى الحل).
نقلا عن المصري اليوم