د. رامي عطا صديق
مبادرة جديدة، مبدعة ومبتكرة، ظهرت منذ سنوات قليلة فى بعض دول العالم، تحت عنوان «عشاء فى الظلام»، وفى مصر استلهمتها بعض الجمعيات والمؤسسات. ومن ذلك مثلًا أن الفكرة نفذتها جمعية «النور الحقيقى وضعاف البصر للأطفال المكفوفين»، وهى جمعية أهلية معنية بذوى الاحتياجات الخاصة من المكفوفين مقرها محافظة المنيا بصعيد مصر، وحضر الفعالية نائب المحافظ وعدد من أعضاء مؤسسة حياة كريمة، ما يعكس اهتمامًا حكوميًا وشعبيًا بمثل هذا النوع من الأفكار والمبادرات.

وتتلخص فكرة عشاء الظلام فى دعوة مجموعة من المُبصرين لتناول وجبة العشاء فى الظلام الدامس داخل غرفة أو قاعة مظلمة، ويتولى «المكفوفون» مهمة تقديم الطعام لهم وإحضار الأطباق ووضعها على الموائد، فى محاولة للتوعية بذوى الإعاقة البصرية، ففى البداية يجلس المبصرون على موائد خالية من أى طعام، ثم يبدأ «المكفوفون» فى وضع الأطباق عليها، وبعد التحضير يجلس «المكفوفون» مع المبصرين لتناول طعام واحد، ويتبادل الجانبان أطراف الحديث، والهدف من هذه التجربة- حسب رئيس جمعية النور الحقيقي- هو أن يشعر المجتمع بأهمية ذوى الإعاقة البصرية وقدرتهم على التعامل والتحرك والاعتماد على النفس وخدمة غيرهم، ليس من باب العطف والشفقة، ولكن لإشعارهم بأهمية الكفيف فى المجتمع وقدرته على التحدى وقيمته حينما يتمكن من مساعدة المبصر.

ومنذ أشهر قليلة، وبالتحديد فى نوفمبر الماضى، نفذت الفكرة أيضًا مؤسسة أخبار اليوم، فى إطار إحدى فعاليات مبادرة «المس حلمك»، وقد حضرها محافظ القاهرة وبعض قيادات وزارة التضامن الاجتماعى وعدد من الصحفيين والإعلاميين. وهناك أحد المطاعم ينفذ نفس التجربة، حيث تطلب إدارة المطعم من المشتركين فى التجربة تسليم الهواتف المحمولة والإكسسوارات التى قد تضىء فى الظلام، حتى لا يكون هناك أى مصدر للإضاءة، ثم إطفاء الأنوار وتقديم الطعام وتناوله فى هذه الأجواء، كما أن ٩٠٪ من العمال من المكفوفين المدربين على العمل فى المطعم من قبل فريق فرنسى.

هكذا تقوم فكرة «عشاء فى الظلام» على نقل مشاعر الشخص الكفيف إلى الشخص المبصر، ومعايشة المبصرين لحالة المكفوفين، وعمل صداقة حقيقية مع الكفيف، حيث يعيش المبصر معه تجربة الظلام فى ممارسة حياتية عن طريق إطفاء نور المكان، ومن ثم زيادة الوعى المجتمعى بمتحدى الإعاقة البصرية، وتسليط الضوء على الكفاءات والقدرات التى يمتلكونها، ومن جانب آخر إيقاظ الحواس لدى المُبصرين، واختبار شعورهم فى الظلام الدامس، واكتشاف أكبر الحواس، مثل حاستى التذوق والشم، من خلال مُعايشة تجربة إنسانية عميقة بهذا الشكل.

وفى تقديرى أنه تتجلى أهمية هذه المبادرة فى قيمة الإحساس بالآخرين والتفاعل معهم، والشعور باحتياجاتهم المختلفة، النفسية والاجتماعية، والاقتصادية أيضًا، ومن ثم تبنى قضاياهم وموضوعاتهم ومشكلاتهم، والاستجابة لمتطلباتهم، والعمل على قبولهم وإدماجهم فى المجتمع، فى بيئة صحية آمنة تقبل التنوع وتحترم التعددية.

وبالمناسبة فإنه لا توجد إحصائية رسمية حديثة خاصة بأعداد ذوى الإعاقة البصرية فى مصر، ولكن حسب تقديرات غير رسمية متداولة عبر وسائل الإعلام، فإن عدد المكفوفين فى المجتمع المصرى يتراوح بين مليون و٨٠٠ ألف إلى «٣.٥» مليون شخص من متحدى الإعاقة البصرية.

وبغض النظر عن النسب والإحصائيات ولغة الأرقام فإنهم مواطنون لهم حقوق، وهم يستطيعون المشاركة فى مختلف نواحى الحياة، ومنهم ظهر موهوبون ومبدعون متميزون فى كثير من المجالات، الطبية والهندسية والرياضية والأدبية والثقافية والإعلامية..، ومن حقهم على المجتمع ومؤسساته الاهتمام بشؤونهم وتقدير احتياجاتهم المختلفة، وقد يكون فى بدايتها- وحسب محافظ القاهرة فى احتفالية أخبار اليوم- توفير بيئة عادلة تُتيح لكل فرد أن يُعبّر عن نفسه ويساهم فى بناء وطنه بروح من الانتماء والمسؤولية.

ومن بين ما يحتاج إليه ذوو الإعاقة البصرية توفير الكتب ومختلف المطبوعات بطريقة «برايل»، التى تساعد المكفوفين على القراءة من خلال النقاط البارزة عن سطح الورقة، حيث تعبر كل نقطة عن حرف. وهم يحتاجون توفير فرص عمل مناسبة وعادلة تساعدهم على الاندماج فى المجتمع والمشاركة فى العملية الإنتاجية، وهنا فإننى أتطلع إلى اهتمام رجال وسيدات الأعمال بتوفير فرص عمل مناسبة للمكفوفين، كما أتطلع إلى أن تسلط وسائل الإعلام الضوء على المبادرات الخاصة بدمج ذوى الاحتياجات الخاصة ومنهم متحدى الإعاقة البصرية، وأن تكون هذه القضايا والموضوعات حاضرة باستمرار فى المناهج الدراسية والأنشطة الطلابية فى المدارس والجامعات، وأن تكون حاضرة أيضًا فى الإبداعات الفنية والأعمال الثقافية، بالإضافة إلى التشريعات والقوانين التى تضمن حقوقهم وترسخها فى المجتمع، حتى يحتضن الوطن جميع أبنائه دون تفرقة ودون تمييز.
نقلا عن المصري اليوم