هاني لبيب
تكتسب زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان إلى القاهرة هذا الأسبوع أهميتها من كونها زيارة كاشفة لتحول أعمق فى طريقة إدارة العلاقات الإقليمية فى منطقة الشرق الأوسط. ولذا، فهى أكثر من كونها مجرد تطور ثنائى فى العلاقات بين الدولتين. الزيارة جاءت فى توقيت شديد التوتر والحساسية، كما أنها تعكس إدراكًا متبادلًا بأن منطق الصدام لم يعد قابلًا للاستمرار فى ظل كل تلك التحديات الاقليمية والتوترات الدولية غير المسبوقة.

الخلاف بين مصر وتركيا.. لم يكن صراعًا وجوديًا أو تاريخيًا، بل نتج عن تباين حاد فى المواقف السياسية بعد ثورة ٣٠ يونيو تحديدًا، وهو ما انعكس على العلاقات الدبلوماسية، وامتد إلى بعض الملفات الإقليمية. غير أن هذا التباين ظل محكومًا بسقف واضح.. ولم يتحول إلى مقاطعة اقتصادية كاملة أو صدام مباشر، مما حافظ على إمكانية عودة العلاقات لاحقًا.

عودة العلاقات لم تكن مفاجأة سياسية، بل جاءت نتيجة تحول وتغيير فى حسابات التكلفة والعائد لدى الطرفين فى ظل مساحات سياسية واقتصادية مشتركة لا بأس بها.

سعت مصر بعد ثورة ٣٠ يونيو إلى تحييد مصادر التوتر الإقليمى، وتعزيز موقعها كطرف توازن.. بينما فى المقابل، وجدت تركيا نفسها أمام احتياج.. إعادة بناء علاقاتها الإقليمية فى ظل ضغوط اقتصادية ومتغيرات دولية.. لم تكن فى الحسبان. هذا التقاطع والتشابك فى المصالح هو الذى مهد للانتقال من مرحلة التهدئة إلى التطبيع الكامل.

تمثل زيارة الرئيس أردوغان اعترافًا عمليًا بنهاية مرحلة القطيعة وتجنب التعاون. قطعًا، لا تعنى الزيارة.. ذوبان الخلافات ذات الصلة بمصالح عليا لكل طرف. ولكن فى الوقت نفسه، أكدت الزيارة.. إرساء مبدا جديد هو أن الخلافات مهما كان تباينها.. يجب أن تدار داخل أروقة القنوات الرسمية غير المعلنة، وليس عبر التصعيد أو الصراع والاشتباك بالوكالة. هذا التحول فى حد ذاته.. يعكس حالة من الحكمة السياسية، خاصة فى منطقة اعتادت إدارة خلافاتها بأساليب ذات تكلفة مادية مرتفعة وإنسانية باهظة.

الاقتصاد لم يكن نتيجة للتقارب فحسب، بل وسيلته الرئيسية. والاتفاق على زيادة التبادل التجارى وتشجيع الاستثمارات المتبادلة.. يعكس إدراكًا ووعيًا بأن المصالح الاقتصادية ترسخ التزامًا سياسيًا طويل الأمد، وتحجم احتمالات الارتداد إلى حالة التوتر. وهنا يتحول الاقتصاد إلى عنصر استقرار، ولا يقتصر على مجرد كونه ملفا للتعاون.

التقارب المصرى – التركى ينعكس على الإقليم فى ثلاث دوائر رئيسية ملتهبة. بداية من الاتفاق على تنسيق سياسى وإنسانى فى ملف غزة لدفع فرص التهدئة.. دون ادعاء القدرة على فرض حلول نهائية. ومرورًا بالملف الليبى لفرض تحجيم الحرب بالوكالة وفتح هامش للتسوية السياسية. وصولًا إلى ملف شرق المتوسط من خلال تجنب الاحتكاك وتجميد منطق التصعيد.. رغم استمرار حالة تباين المصالح. هذه الانعكاسات لا تعنى إعادة رسم خريطة التحالفات، لكنها تسهم فى خفض مستوى الاضطراب الإقليمى.

السيناريو المتوقع والأكثر ترجيحًا.. هو استمرار شراكة مصرية – تركية مستقرة قابلة للتوسع، وتقوم على التعاون الانتقائى وإدارة الخلافات بعدم تجاهلها. وهو المسار الذى تدعمه ثلاثة عوامل: ارتفاع تكلفة العودة للصدام. وتشابك المصالح الاقتصادية. واحتياج الإقليم الملح إلى توازنات مرنة. وهو ما يعنى أن العلاقة.. ستظل محكومة بالمصالح المتبادلة، وليس بالاندفاع أو بالتحالفات المطلقة. ما سبق، يعنى أن أهمية الزيارة ليست فيما أعلن خلالها فقط، بل فى المسار الجديد الذى دشنته بإعادة تعريف الثنائيات المتعارضة فى العلاقة بين القوة والمصلحة، وبين الخلاف والاستقرار فى إقليم.. دمرته الصراعات. ولذا، فإن مجرد تثبيت هذا المسار.. يعد مكسبًا استراتيجيًا فى حد ذاته.

نقطة ومن أول السطر..
فى اعتقادى، تمثل زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى القاهرة هو نوعًا من التحول فى التوجهات الإقليمية.. أكثر مما يمثل نوعًا من التقارب الثنائى التقليدى. هى زيارة تعكس انتقالًا من سياسات الاستقطاب إلى سياسات الاحتواء، ومن إدارة الخلاف بالصوت العالى إلى إدارته بالحسابات الهادئة. هذا التحول، وإن بدا تدريجيًا.. سيكون أحد أكثر التطورات تأثيرًا فى شكل التفاعلات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.
نقلا عن المصري اليوم