بقلم د نادية هنري
تابعنا بقلق بالغ ما جرى في مدينة 15 مايو من إجراءات متعلقة بالأرض المخصصة لبناء كنيسة، وما ترتب عليها من توتر واحتقان مجتمعي كان من الممكن تفاديه بالكامل لو أُدير الملف إداريًا وتشريعيًا على نحو سليم.
وإذ نؤكد احترامنا الكامل لسيادة القانون ومؤسسات الدولة، فإننا نرى أن ما حدث لا يمكن اعتباره واقعة إدارية منفصلة، بل هو نتيجة مباشرة لمسار خاطئ حذّرتُ منه صراحة منذ تسع سنوات عند مناقشة ورفض قانون تنظيم بناء الكنائس رقم 80 لسنة 2016.
أولًا: خلل الإجراءات والاختصاص
طبقًا لقانون الإدارة المحلية، فإن المحافظ هو الجهة المختصة قانونًا بإصدار قرارات الإزالة أو ما في حكمها داخل نطاق المحافظة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال تفويض قانوني واضح، وتنعقد له المسؤولية الكاملة عن سلامة القرار وإجراءاته وآثاره المجتمعية.
كما أن قانون تنظيم بناء الكنائس نص صراحة على أن الجهة المختصة بمخاطبة الدولة في كل ما يتعلق ببناء الكنائس أو الإجراءات المتصلة بها هي الطائفة الدينية ممثلة في رئيسها، وبالنسبة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية فإن هذه الصفة تنعقد لقداسة البابا تواضروس الثاني أو من يفوضه رسميًا.
ومن ثم، فإن أي إجراء يتم دون إخطار الجهة المختصة قانونًا إخطارًا صحيحًا، أو بتجاوز هذا التسلسل المؤسسي، يكون مشوبًا بخلل إجرائي جسيم، حتى لو استند في ظاهره إلى تطبيق القانون.
وكان بوسع المحافظ، بحكم اختصاصه ومسؤوليته وحكمته، أن يفتح قناة تواصل مؤسسية مباشرة مع قداسة البابا، بما كان كفيلًا بتصحيح أي خطأ إداري بهدوء، ومنع ما آلت إليه الأمور في 15 مايو.
ثانيًا: الإشكال التشريعي الأعمق
إن ما جرى في 15 مايو يؤكد مجددًا صحة التحفظات التي أُبديت منذ تسع سنوات على قانون بناء الكنائس، لما يحمله من انتهاك دستوري وتمييزي واضح، لا في النوايا، بل في المنطق التشريعي ذاته.
فالقوانين لا تنظّم الواقع فقط، بل تصنع الثقافة والوعي الجمعي.
وعندما يُفرد القانون تنظيمًا خاصًا لدور عبادة دون غيرها، فإنه ولو دون قصد يكرّس:
• منطق الاستثناء
• ويضعف مبدأ المواطنة المتساوية
• ويُعيد إنتاج الأزمات المجتمعية بصورة متكررة
لقد أضعنا خلال السنوات الماضية فرصة حقيقية لتشكيل ثقافة عامة قائمة على المساواة الكاملة بين المسلم والمسيحي، لا في الخطاب، بل في القواعد والإجراءات.
ثالثًا: الحل الجذري
ستستمر مثل هذه الوقائع، وبصور مختلفة، ما دام بناء دور العبادة يُدار بمنطق مزدوج.
ولا يوجد حل حقيقي إلا بوضع الكنيسة والمسجد في إطار تشريعي واحد:
• نفس الإجراءات
• نفس المعايير
• نفس الجهة المختصة
• نفس القواعد التنظيمية
باعتبار أن دور العبادة، أيًا كان شكلها، تخضع لمبدأ واحد هو المواطنة الكاملة والمساواة أمام القانون.
ما حدث في 15 مايو ليس استثناءً، بل إنذار متجدد بأن القوانين المعيبة دستوريًا لا تنتج إلا أزمات، وأن إدارة الوقائع لا تكفي دون مراجعة الأساس التشريعي الذي يحكمها.
وسيظل الصحيح واحدًا:
لا مساواة منقوصة، ولا مواطنة مجزأة، ولا استقرار حقيقي دون قانون واحد عادل يحكم الجميع





