د. سامح فوزى
منذ عدة أسابيع صدر كتاب جديد باللغة الانجليزية بعنوان «المواطنة الرقمية النسوية في أفريقيا»، عن معهد دراسات التنمية بجامعة ساسكس البريطانية، يتناول النضال من أجل حقوق المرأة في عدة دول أفريقية باستخدام الوسائط الرقمية. ولا يعد هذا العمل البحثي هو الأول من نوعه، بل يأتي في سياق جهود بحثية واسعة النطاق، زادت وتيرتها في أعقاب جائحة كورونا، تولي اهتمامًا إلى دور الفضاء الرقمي في تعزيز حقوق الأفراد، وتمكينهم اجتماعيًا، وثقافيًا، وسياسيًا، وقد لفت الانتباه عبر عدد من الحالات الدراسية إلى قدرة النساء في القارة السمراء على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في رفع الوعي، وتنظيم الحملات التوعوية، والوقوف في وجه كثير من المظالم والقيود التي يتعرضن لها، بما في ذلك استخدام العنف ضدهن، والختان، وزواج القاصرات، والتحرش بهن في الواقع المادي «أوف لاين»، أو في الواقع الافتراضي «أونلاين»، ولاسيما مع شيوع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي قد تسبب تهديدًا للهوية الرقمية للأفراد، والنساء على وجه الخصوص. لم يكتف الكتاب بذلك لكنه تضمن إشارات إلى الجهود العكسية، أي التي تستخدم الفضاء الالكتروني في تقييد حرية المرأة، ونشر المعلومات الخاطئة، وتسويغ ممارسة العنف ضدها، وتشويه الجهود التي ترمي إلى تحقيق المساواة في المواطنة على أساس النوع الاجتماعي.

في الواقع، تكمن أهمية الكتاب في توثيق حالات دراسية مهمة من قلب أفريقيا عن استخدام النساء للفضاء الرقمي لنيل حقوقهن، ومواجهة ما يتعرضن له من انتقاص لمواطنتهن، إلى جانب إبراز كثير من أوجه الاستخدام السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي. وقد صادفت نفس النهج في دراسات أخرى اتجهت إلى دراسة الدور الذي تقوم به الوسائط الرقمية، خاصة السوشيال ميديا، في الحد من التهميش الاجتماعي، حيث أمكن لسكان قرى أفريقية مهمشة وفقيرة استخدام التطبيقات الالكترونية في الحصول على خدمات اجتماعية، ومساءلة السلطات المحلية، والتواصل مع الأنشطة الثقافية والدينية. الأمر اللافت، والمتكرر، هو التحذير من الاستخدام العكسي لوسائل التواصل الاجتماعي في تشويه القضايا الاجتماعية، والإنسانية، وتغيير نفسية المرء تجاه المتغيرات من حوله. في قضايا المرأة، هناك مواد سلبية يجري تداولها على الفضاء الرقمي، تسوغ العنف ضد المرأة، بالاستناد أحيانًا إلى قراءات دينية مغلوطة، أو غض الطرف أو القبول الضمني لممارسات سلبية مثل ختان الإناث، وزواج القاصرات، وتسرب الفتيات من التعليم، يضاف إلى ذلك تشويه النضال النسوي من أجل حقوق المرأة، ونعته بأوصاف سلبية، وأحيانا لا أخلاقية، ورغم أن ذلك كان متعارفًا عليه في عقود سابقة في كتابات أو سرديات اجتماعية، إلا أنه صار أكثر اتساعا على وسائل التواصل الالكتروني، وقد بلغ الأمر حد تبرير العنف والممارسات غير القانونية ضد المرأة بالدفاع عن الجاني، الذي عادة ما يكون رجلا، وإلقاء تبعية الأعمال المخالفة على النساء أنفسهن، بالإحالة إلى ملابسهن أو مظهرن أو ارتيادهن أماكن عامة، وجميعها من مظاهر حرية المرأة، وحقوقها كمواطنة في المجال العام، ولا يجب بأي حال من الأحوال أن تكون مسوغًا لممارسة العنف حيالها أو الانتقاص من حقوق مواطنتها.

قدم الكتاب – في رأيي- الأمرين معا، الفضاء الرقمي في خدمة حرية المرأة، والفضاء الرقمي الذي ينتقص من حرية المرأة، ويمثل كلاهما أداة للاستخدام في يد الإنسان تعبيرا عن أفكاره وتوجهاته، وهو تجسيد لمعضلة التكنولوجيا الرقمية، من حيث كونها تمثل اتاحة، يستخدمها الشخص كيفما أراد، ويوجهها في الاتجاه الذي يبغاه، إنسانيًا وقانونيًا واخلاقيًا، ولا يمس ذلك أوضاع المرأة فقط، بل يمتد إلى الحياة برمتها، من خلال نشر خطابات الكراهية، والحض على العنف، والسجال الديني، ونشر الشائعات، والأخبار الكاذبة، وتزييف المعلومات، وتهديد الهوية الرقمية للأفراد، ونصل إلى حالة يتهدد فيها المعني الحقيقي في الحياة.

وهكذا، بدلا من أن تقود التكنولوجيا الرقمية العالم نحو مزيد من الانفتاح والحوار والمعرفة والحرية، تدفع به في كهوف مظلمة من التمييز، وتعميق النظرات المتعالية السلبية، وكراهية المختلفين. وسوف نظل على هذه الحالة، المتسارعة في تطورها، نبحث عن سبل أفضل لاستخدام الفضاء الرقمي في المعرفة والثقافة والاستنارة والحرية، بعيدًا عن التشوهات الأخلاقية والقيمية التي يسببها. ولكن حتى يتسنى ذلك ينبغي أن نتجه إلى تكثيف استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعرفة، والتواصل بين الناس، والحوار النقدي، وهي قضية ينبغي أن تحرص عليها كل المؤسسات، في سبيل الحد من الآفات الالكترونية، التي لم تعد تحاصر النشء والشباب فحسب، بل تمتد أيضا إلى الأجيال المتقدمة في العمر.
نقلا عن الاهرام