بقلم الأب يسطس الأورشليمى
كان الإنسان فكرة في عقل الله، حين خلق العالم من أجله، وإذ أقامه في الفردُوس كان يلتقي به خلال أحاديث مشتركة سرّية..
كان آدم يسمع صوت الرّب الإله ماشياً في الجنة، فينجذب إليه ليناجيه، يسمعه ويتكلّم معه، يتقبل الحُب بالحُب، أما بعد السقُوط فصارت كلمة الله بالنسبة للإنسان مُرهبة ومُخيفة، يتكلّم الله والإنسان لا يقدر أن يسمع، وإن سمع فلا يقدر أن يتجاوب معه، وتحول قلبه عن الحُب المملوء حناناً إلى حجر بلا إحساس، وأمام هذا التحول تقدم الله إلى الإنسان ليهبه كلمته منقُوشة بإصبعه على لوحي الحجر (خر15:32)..
لقد أراد الله أن يخترق القلب الحجري ليُسجل بإصبعه أي رُوحه القدُوس كلماته، لعل الإنسان يقدر أن يتذوقها ويتجاوب معها، وكأن الكلمات الإلهية المكتُوبة، إنما جاءت كعلاج لضعفنا البشري..
إن كان من أجل ضعفنا قدم لنا الله كلمته مكتُوبة لكي نحفظها، فإن الله يهبنا نعمته لكي تتحول الكلمة إلى حياة فينا وعمل، فتُسجل بالرُوح في قلُوبنا وتُعلن في تصرفاتنا، قدم لنا كلمته المكتُوبة كمصابيح مُضيئة تشهد للنهار الأبدي، أنظر (تك8:3-10؛ أف8:5)..
قدمها من أجل ضعفنا لتُنير لنا نحنُ الذين كُنا قبلاً في الظُلمة وأما الآن فنُور في الرّب، بالكلمة صرنا أبناء للنُور لكي ندخل إلى بهاء النُور الكامل في يوم الرّب العظيم، ونلتقي بالكلمة الإلهي ذاته وجهاً لوجه، فيليق بنا لا أن نطلب معُونة الكلمة المكتُوبة فحسب، وإنما نظهر حياتنا نقية، وهكذا تكُون لنا نعمة الرُوح عوض الكتب بالنسبة لنفُوسنا..
مقدمة في إنجيل متى..
القديس متى الإنجيلي، هُو أحد الاثني عشر تلميذاً، كان عشاراً اسمه لاوي واسم أبيه حلفى، رآه السيد المسيح جالساً عند مكان الجباية فقال له: اتبعني فقام وتبعه (مت9:9)، ترك لاوي الجباية التي كان اليهُود يتطلعُون إليها ببُغضه، لأنها تُمثل السُلطة الرُومانية المُستبدة، وعلامة إذلال الشعب لحساب المستعمر الرُوماني المُستغل في ذلك الوقت..
لقد سجل لنا مُعلمنا لُوقا البشير الوليمة الكبرى التي صنعها لاوي للرّب في بيته ودعا إليها أصدقاءه السابقين من عشارين وخطاة حتى يختبرُوا عذُوبة التبعية للمسيح بأنفُسهُم، الأمر الذي أثار معلمي اليهُود، قائلين: لماذا يأكل مُعلّمكُم مع العشارين والخطاة؟ فلما سمع يسُوع قال لهُم:
لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى (مت9:9-12)..
أما كلمة: متى، فتعني: عطية الله، وبالعبرانية: نثنائيل، وباليُونانية: ثيُودُورس، وقد عربت تادرس، وكأن الله بدعُوته لمتى أشبع قلبه كعطية إلهية، فانتزع نفسه من محّبة المال وقلبه خارج الجباية..
استقر رأي غالبيه الدارسين أنه كُتب بعد إنجيل مُعلّمنا مرقس الرسُول أي في الربع الثالث من القرن الأول، وقبل خراب الهيكل اليهُودي، حيثُ يتحدث عنه كنبُوة لا كواقعة قد تمت، ويرى التقليد أنه كُتب في فلسطين، الأمر الذي لا يشك فيه أحد من آباء الكنيسة الأولى..
الكاتب يهُودي تتلمذ للمسيح، يكتب لإخوته اليهُود ليُعلن لهُم أن المسّيا المنتظر قد جاء، مصحّحاً مفهُومهُم للملكُوت..
أوضح لليهُود بطريقة عميقة العلاقة الأكيدة بين المسيحية والعهد القديم، مُوضحاً كيف كانت الكنيسة في التفكير في نبُوات العهد القديم التي تحقّقت رُوحياً في المسيح يسُوع رّبنا، وأشار إلى حوالي 60 نبُوة من العهد القديم، كما تكرّرت كلمة الملكُوت حوالي 55 مرة، وذكر السيد المسيح كابن لداود ثماني مرات، مُعلناً أنه المُوعُود به من الله..
لقد أوضح أن السيد لم يأتِ ليحتقر العهد القديم، بل ليدخل به إلى كمال غايته من جهة النامُوس والوصية، وتحقيق ما جاء به من وعُود بالخلاص، الذي يتم خلال شخص المسيح كمُخلّص وفادي..
إنجيل متى هُو إنجيل الملكُوت، مركزه ملكُوت السموات، الذي يُعلن بوضُوح في الأحاديث التعليمية للسيد المسيح كما في أمثاله ومعجزاته، هذا الملكُوت هُو ملكُوت المستقبل، حيثُ يبدأ من الآن في حياتنا كحقيقة حاضرة قد بدأ بمجيء السيد المسيح وسكناه في قلُوبنا..
ليُعلن بكماله في مجيئه الأخير، أما رّب الملكُوت هُو المسّيا المُخلّص الفادي الذي كشف الإنجيل عن سُلطانه الملُوكي، فيه تم المكتُوب، وتحقّقت المواعيد الإلهية، وتمتعت الشعُوب بمشتهى الأمم..
من أهم ملامح هذا السفر أنه يتكُون من خمسة مقالات كبرى، حتى أن السفر يُمثل خمسة كُتب جاءت مقابل أسفار مُوسى الخمسة، وهي الموعظة على الجبل، العمل الرسُولي، أمثال الملكُوت، ثم تعاليم متنُوعة..
لم يُسجل لنا الرُوح القُدس حياة الرّب يسُوع بالجسد في إنجيل واحد، بل في أربعة أناجيل، لأن إنجيل واحد لا يكفي ليُقدم صُورة كاملة عن حياة مُخلصنا الصالح وهُو على أرضنا، فكُل إنجيل يُقدم الرّب من زاُوية خاصة ليُبرز جانباً من هذه الجُوانب الأربعة، والتي تُحدثنا الألُوان:
أولاً: الأسمانجُوني، الإله قد تجسد في اتضاع ليقترب إلينا..
ثانياً: الأرجُوان، الملك الذي يملك على قلُوبنا وحيـاتنا كُلها..
ثالثاً: القرمز، اتخذ صُورة العبد ليتألم ويُقدم نفسه ذبيحة لأجلنا..
رابعاً: الكتان، فالرّب هُو الإنسان الكامل الذي لا يُوجد له نظير..
هل تعلم أن هذه الجُوانب الأربعة أشارت لها، الأربعة أوجه التي كانت لكُل كرُوب من الكارُوبيم الذين رآهم حزقيال في رُؤياه ؟!
لقد رأى لكُل كرُوب وجه إنسان يُحدثنا عن إنسانية الرّب، أما وجه الأسد يتحدث عن الرّب الملك، هُوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهُوذا وُوجه الثُور يرمز إلى الرّب الخادم المذبُوح من أجلنا، وهُو من الحيُوانات التي تُقدم منها الذبائح، ويُعرف عنه بالتحمل والقُوة والمُثابرة، وُوجه النسر الذي يُحلق عالياً يتحدث عن ألوهية الرّب يسُوع المسيح..
ففي إنجيل متى سنتقابل مع الرّب الملك الذي أتى لكي يملُك، وفي إنجيل مرقس سنراه الخادم الذي جاء ليخدم ويتألم من أجلنا، في إنجيل لُوقا ابن الإنسان الذي يُشارك البشر آلامهُم ويتحنن عليهُم أما إنجيل يُوحنا الحبيب فيظهر لاهوته، ابن الله الذي أتى ليهبنا الحياة الأبدية..
وهكذا تظهره الأناجيل أنه: الملك الخادم، والإله الإنسان..
نلاحظ أن: إنجيل متى ينتهي بقيامة الرّب يسُوع، ولم يُسجل صعُوده، بينما في إنجيل مرقس ينتهي بارتفاعه إلى السماء وجلُوسه عن يمين الآب، وفي إنجيل لوقا ينتهي بالرّب الذي صعد مباشرةً بعد أن وعد تلاميذه بإرساله الرُوح القُدس لهُم من الأعالي، وفي نهاية إنجيل يُوحنا نرى الرّب سائراً مع بُطرُس ويُوحنا تلميذيه يتبعانه بعد أن أشار لهُم أنه سيأتي ثانية إلى الأرضِ (مر19:16؛ لو49:24؛ يو22:21)..
فإنجيل متى ينتهي بقيامة الرّب، أما إنجيل مرقس فيُواصل الحديث إلى صعُوده، وإنجيل لُوقا يذهب إلى أبعد من هذا، فيُشير إلى مجيئه الثاني، فتأمل في التدرج، وكيف تنسجم نهاية كُل إنجيل وتتناغم بحيثُ تُكمل بعضها البعض مع الجانب الذي يُريد أن يبرزه..
يبرز لنا الرُوح القُدس في إنجيل متى، لُون الأرجُوان وُوجه الأسد، ويُرينا الرّب يسُوع باعتباره الملك، فيقُول: كتاب ميلاد يسُوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم، أي إنه من نسل داود الملك، فهُو الُوريث الشرعي لعرش داود، إنه الملك المسّيا المُنتظر، والمجُوس يسألُون عنه: أين هُو المُولُود ملك اليهُود، وفي نهاية الإنجيل يقُول: دُفع إليّ كُل سُلطان في السماء وعلى الأرض، أنظر (مت6:1؛ 2:2؛ 18:28-20)..
لُون الأرجُوان اللُون الملُوكي ظاهر بقُوة في هذا الإنجيل، حيثُ ترد فيه كلمة: ملكُوت أكثر من خمسين مرة، وملكُوت السموات نحُو اثنين وثلاثين مرة، بينما لا تأتي ذكرها في الأناجيل الثلاثة الأخرى، وواضح هنا سُلطانه السباعي على المرض والشياطين، والطبيعة، والمُوت..الخ
وفي إنجيل مرقس، يظهر فيه بُوضُوح لُون القرمز الدم، كما أن صُورة الثُور الرمزية في خدمته وذبحه ظاهرة هُنا بكُل وضُوح، فيظهر باعتباره الخادم الذي أطاع حتى المُوت مُوت الصليب، ولا نقرأ عن قصة ميلاده الجسدي، وهُو لا يُعلّم كثيراً بل يعمل أكثر، عمل كُل شيءٍ حسناً حتى جعل الصُمّ يسمعُون، والخُرس يتكلّمُون (مر37:7)..
وفي إنجيل لُوقا، نرى فيه لُون الكتان الأبيض الفاخر، ويبرز لنا جمال إنسانيته، الذي هُو أبرع جمالاً من بني البشر، ويرمز له بُوجه إنسان فيُقدم لنا ابن الإنسان الذي أقترب للإنسان ليصادقه وليهبه الخلاص مجاناً تأمله وهُو يُقابل المرأة الخاطئة، ويدخل بيت زكا العشار، وقصة السامري الصالح، والابن الضال (لو37:7؛ 30:10؛ 11:15؛ 10:19)..
في إنجيل يُوحنا الحبيب نرى بوضُوح اللُون الأسمانجُوني السماوي ومنظر النسر المُحلق عالياً ظاهراً تماماً، فنرى لاهوت الرّب يسُوع أقنوم الابن الأزلي، والأحداث والأقُوال التي سجلها الرُوح القُدس تُعلن مجده، فهُو الخبز النازل من السماء، والقيامة والحياة الذي يُعطي الخاطيء الحياة الأبدية، وفي صلبه نرى مجده الإلهي مُعلناً بقُوة، عندما قال الرّب لرُؤساء الكهنة والفريسيين: إنيّ أنا هُو، رجعُوا إلى الوراء وسقطُوا على الأرضِ، أنظر (يو14:1؛ 18:5؛ 50:6؛ 28:10؛ 25:11؛ 6:18)..
في إنجيل متى يتميز بكلمة: لكي يتم، وقد تكرّرت 17 مرة..
وفي إنجيل مرقس تميز بكلمة: للُوقت، وتكرّرت 40 مرة..
وفي إنجيل لُوقا تميز بكلمة: قيل، وقد تكرّرت 32 مرة..
وفي إنجيل يُوحنا تميز بكلمة: الحقّ، تكرّرت 25 مرة..
كُل هذا يتفق مع الزاُوية التي يبرز منها كُل إنجيل حياة الرّب يسُوع على الأرضِ، فهُو الرّب الملك المسّيا الذي تتحقق فيه كُل النبُوات التي أشارت إلى مجيئه، وهُو الخادم الذي يفتدي الُوقت، والإنسان صديق الخطاة الذي جعل نفسه جزءً من قصصهُم، والكلمة المتجسد وعبارته: الحقّ الحقّ، تُشير إلى أن كلماته هي الإعلان الإلهي القاطع النهائي..
فاحرص أيها الأخ المحبُوب أن تقرأ باستمرار في الكتاب برُوح الصلاة والفهم، وثق أن الرُوح القُدس يتحدث إليك شخصياً من خلاله فتتقابل مع الرّب الملك الخادم، ابن الله وابن الإنسان الذي جاء لكي يطلب ويُخلّص ما قد هلك، وقال: مَن يُقبل إليّ لا أخرجه خارجاً..
هب لي يارّب أن استخدم مواهبي لبنيان الجماعة، وأن أكُون محباً لكُل إنسان وأعمل دوماً للسلام، يا ملك السلام هب لي أن أكُون أيقُونة لك، لألقي بالملامة على نفسي في كُل شيء، فليس أفضل أن يضع الإنسان الملامة علي نفسه، ليتني أغضب على نفسي، وعلى خطاياي وجهالاتي، عوض الغضب على الغير، راجع (أم18:15؛ كو8:3)..
يسُوع المسيح هُو ملكك الآتي، هُو الأول والآخر، البداية والنهاية، هُو حافظ الخليقة وخالق الكُل، مهندس الكون ومدير الزمن، هُو أمس واليوم وإلى الأبد، لا يتزعزع لن يتغير ولن ينهزم، وأبداً لا يتراجع..
جلب لنا الشفاء من خلال آلامه، اضطهد وجلب لنا الحرية، مات وجلب لنا الحياة، قام وجلب لنا القوة، وصعد وجلب لنا السلام..
أنه هُو الحياة والحب والسيد، هُو الخير واللطف والوداعة، هُو القداسة، العالم لا يمكن أن يحده، والجيوش لا ولن تهزمه، والزعماء لا يمكنهم تجاهله، لم يستطع هيرُودس أن يقتله، ولا نيرون أن يسحقه..
طُرقه على حقّ، وكلمته خالدة، وإرادته لا تتغير، هُو فاديا، ومُخلّصي، وإلهي، فرحي، وراحتي، إنه يملك كُل حياتي..
هكذا يتدرب اللسان، ومعه القلب والرُوح على تسبيح الملائكة السماوي، هُوذا كُل الخليقة تشهد للرّب وتمجده صارت أفواهاً تنطق عنه، المجُوس بتقدماتهُم، والعاقر بطفلها، والنجم المُنير في الهواء، هُوذا ابن ملك السماوات له انفتحت، والمياه هدأت، والحمامة مجدته، الملائكة أعلنت عنه، والأطفال صرخُوا إليه أوصانا، الكُل يصرخ شاهداً له..





