الراهب القمص يسطس الاورشليمى

تُدعى الأسفار من إشعياء حتى ملاخي أسفاراً نبُوية، وهي لا تقف عند عرض النبُوات، وإنما ضمت تاريخاً وحكمةً.. 
 
لا يُفهم من تعبير أنبياء بمعنى أناس يتنبأون بأحداث مُستقبلية بقدر ما تعني الكشف عن فكر الله وإرادته من جهة الإنسان، وخلاصه الأبدي الذي يتحقّق خلال المسيح، لقد أقام الله أنبياءه كرجاله الذين يشهدُون له بقُوة  وشجاعة بفعل رُوحه القدُوس في وقت انحرفت فيه القيادات الدينية، والمدنية من كهنة وملُوك، فانشغل كثير من الكهنة بالسُلطة والكرامة مع الانغماس في حياة الترف، فاهتمُوا بالخضُوع للملُوك على حساب خدمة النفُوس، وانشغلُوا بالحرف القاتل كتغطية للفساد..
 
أما الملُوك والأشراف، فانشغلُوا بالمجد الباطل مُعتمدين على خطّط بشرّية مُتجاهلين عنصر الإيمان بالرّب والاتكال عليه، لهذا ظهر الأنبياء يقاومُون فساد القيادات والشعب أيضاً، الأمر الذي أثار الجميع ضدهُم لاضطهادهُم، وجاء الخط واضحاً في كتابات الأنبياء:
 
أولاً: التُوبة والرجُوع إلى الله بالقلب، وليس بالمُمارسات الشكلية لعلاج المشاكل الداخلية والخارجية والرُوحية..
 
ثانياً: كشف الأخطاء التي ترتكبها القيادات الدينية والمدنية، لا للتشهير بهُم، وإنما لطلب العلاج الرُوحي الحقّ..
 
ثالثاً: التنبُوء عن أحداث محلية مُستقبلية لتأكيد تأديب الرّب لهُم بسبب فسادهُم، وعدم الثقة فيه، أو لتأكيد رحمته عليهُم بسبب تُوبتهُم، مثل السبيّ والرجُوع منه، والأوبئة والشفاء منها..
 
رابعاً: التنبُوء عن أحداث مُستقبلية مركزها مجيء المُخلّص الذي يُقيم مظلة داود الساقطة، ويُقيم مملكة رُوحية..
 
خامساً: الله هُو المُخلّص، والخلاص هُو المُوضُوع الذي يلزم أن يشغل فكر الكُل حيثُ يضُم الشعُوب والأمم..
 
اعتاد الدارسُون أن يقسمُوا أسفار الأنبياء إلى: أنبياء كبار مثل إشعياء، إرميا، حزقيال، دانيال، وأنبياء صغار وهُم بقية أسفار الأنبياء، وهذا التقسيم لا يقُوم على مجرد التمييز بين الأنبياء أنفُسهُم، وإنما بين الأسفار حسب حجمها، ونبُوات الأنبياء مع كثرتها تُشبه قيثارة يلعب على أوتارها رُوح الله القدُوس الذي لا يُخطيء العزف، فيُقدم لنا سيمفُونية حُب الله العجيب المُعلن خلال عمل المسيح الخلاصي..  
 
أهتم اليهُود بهذه الأسفار فوضعُوها معاً في سفر واحد بكُونها تخدم هدفاً مُتكاملاً، إذ هي تُغطي الفترة الحالكة الظلام التي عاشتها مملكتا إسرائيل، ويهُوذا، والأنبياء الصغار هُم: 
 
(1) هُوشع..    (2) يُوئيل..    (3) عامُوس..    (4) عُوبديا..
(5) يُونان..     (6) ميخا..    (7) ناحُوم..      (8) حبقُوق..
(9) صفنيا..   (10) حجي..   (11) زكريا..    (12) ملاخي..
لقد حدث بعد موت سُليمان أن انقسمت مملكة إسرائيل إلى:
أولاً: المملكة الشمالية (إسرائيل) تضُم عشر أسباط سباهُم الأشوريُون عام 722 ق. م، قبض شلمناسر على هُوشع ملك إسرائيل، وسباهُم في خابُور نهر جُوزان وفي مُدن مادي (2مل6:17)..
 
ثانياً: المملكة الجنوبية (يهُوذا) تضُم سبطي يهُوذا وبنيامين، وقد سباهُم البابليُون عام 586 ق.م، قيل عن نبُوخذنصر: وسبيّ كُل أورشليم والرُؤساء.. سباهُم إلى بابل (2مل14:24-16)..
 
تهدم هيكل سُليمان، وخربت مدينة الله أورشليم، وتحولت إلى قفرٍ، أما في أرض السبي فلم يكُن ممكناً لهُم إقامة هيكل الله هُناك بحكم النامُوس، إذ تُعتبر الأرض التي يسكنُون فيها نجسة، لم يكُن أمام اليهُود من الطقُوس الهامة سوى حفظ السبت وممارسة الختان، بعد أن سكنُوا في مستعمرات في مملكة بابل، وعانُوا من العبُودية..
 
هُوشع كلمة عبرّية تعني يهوه يُخلّص، منها جاءت كلمة يشُوع أو يسُوع، وهُو من أنبياء ما قبل السبي، وقد شاهد سبي إسرائيل بواسطة أشُور، وعاصر الأنبياء: إشعياء، وميخا، وعامُوس..
 
ذكره إفرايم لا بمعنى سبط إفرايم وحده، وإنما مملكة إسرائيل الشمالية كُلها 36 مرة، يُوحي أنه كان من مواطني جبل إفرايم، ويعتبر هُوشع نبياً لإسرائيل، وإن كانت نبُواته شملت يهُوذا أيضاً..
 
يُوحي لنا هذا السفر حالة الانحلال الخلقي والديني التي جاءت بعد حُكم يربعام الثاني، ففي طّي نبُواته صدى واضح لحوادث الفوضى وجرائم القتل، وعبادة الأوثان والزنا والكبرياء، كما تحُوي النبُوة أيضاً وصفاً لحالة الركُود الرُوحي التي اتسم بها الشعب في كُل فئاته من قيادات دينية أو مدنية حتى نسُوا الرّب، الأمر الذي جعله يتحدث عن إسرائيل بكُونها أرضاً بقُوله: لأن الأرض زنت ولا معرفة الله لها..
 
كان هُوشع النبيّ مُعاصراً لستة ملُوك في إسرائيل، وبسبب عدم الاستقرار ولأن الهجُوم الأشوري كان وشيك الحدُوث، لذلك جاءت النبُوة بكلمات شديدة الوطأة، مُختصرة على قدر الإمكان..
 
أهم ما اتسم به هذا السفر هُو الكشف عن علاقة الله بشعبه، فإن كان قد شبه إسرائيل بالزوجة الزانية، لكنه يكشف عن شوق الله من نحو البشرّية بكُونها عرُوسه التي يطلب الاتحاد معها لتعيش معه في سمواته بيت الزوجية الفريد وتُقدم له أولاداً مُقدسين في الحقّ..
 
إنها العرُوس الواحدة، وكُل المُؤمنين إنما أعضاء في هذه العرُوس الواحدة يتحدث معهُم لا كأفراد مُجتمعين معاً بل كأعضاء لجسد واحد، حقاً إن علاقة الله بالبشّرية تقُوم على أساس العلاقة الشخصية التي تربط الله بالإنسان داخلياً لكن هذه العلاقة الشخصية أساسها ليس الفردية المُنعزلة، إنما يلتقي بنا الله على أساس أننا أعضاء في عرُوسة..
 
لهذا إذ قدم لنا الصلاة الربانية كنمُوذج للصلاة المقبُولة، لا نجد فيها طلبة واحدة فردية، إنما يُصلّي كُل عضُو باسم الجماعة كُلها ولحسابها، وكأن الرّب يُقدم لنا فكراً رُوحياً جماعياً وتحطيماً لكُل ميل انعزالي، هذا ما نلمسه في الكتاب كُله خاصة أسفار الأنبياء..
 
يتحدث النبي عن إسرائيل كجماعة واحدة تلتزم معاً بالحياة المُقدسة الجماعية في الرّب، وقد حسب الميل إلى العزلة والأنانية هي خطيتهُم الكبرى، وبعد أن أصيبت بمرض، تقدم عريسها كطبيبها الحقيقي الذي وحده يشفيها الذي يجرح ليشفي، ويُؤلم ليهب تعزية..
 
يُمكننا في إيجاز أن نضع الخطُوط العريضة لمرض الشعب كما أعلنه سفر هُوشع النبيّ في النقاط التالية:-
أولاً: عدم المعرفة، قد هلك شعبي من عدم المعرفة (6:4)، لقد أفسدت الخطية بصيرة الشعب والرعاة معاً، فصار الكُل كعميان غير قادرين على رُؤية الله والتعرف على أسراره، إن كان هذا السفر في جوهره هُو دعُوة للتوبة والرجُوع إلى الله لننعم بالحياة معه خلال قيامتنا من موت الخطية، إنما لكي نتعرف عليه معرفة العرُوس المُقامة من الأموات لتحيا في حضن عريسها واهب القيامة أكثر من مُحرقات..
 
ثانياً: ارتباطها بالأرض، عدم معرفتها بعريسها السماوي سحبها إلى رجُل آخر هُو البعل، خلاله انحنت بكُل طاقاتها نحو شهوات الجسد والأرضيات، لذا يدعُوها بالأرض التي زنت تاركة الرّب، الأمر الذي يحتاج إلى الطبيب ليردها من هذه الطبيعة الفاسدة، لهذا يقُول لها:
 
أنا أشفي ارتدادها (هو14:4)..
ثالثاً: فقدانها الشبع، بانحنائها نحو الأرض، ظنت أنها تنعم باللذات الزمنية، ولم تُدرك أنها تفقد كُل لذة وشبع لتصير في مرارة وجُوع وعطش، إنهُم يزرعُون الريح ويحصدُون الزوبعة، وعوض الثمر المُفرح للقلب، أما العريس الحقيقي، فثمرته وكلماته حلوة.. 
 
رابعاً: عدم التميّيز، إن شهوة قلب العريس السماوي أن يرى عرُوسه على مثاله تحمل رُوحه القدُوس، رُوح الحكمة والتميّيز، التميّيز بين المُقدس والمُحلّل، وبين النجس والطاهر..
 
خامساً: اللامبالاة، كُل ضعف يسحب العرُوس إلى ضعف آخر، وكُل خطية تلقي بها في أحضان خطية أخرى، فرُوح عدم التميّيز يفقد الإنسان جديته في الحياة، وتطلعه إلى أبديته ليسلك بلا مبالاة، يسمع صوت الله الذي يدعُوه ولا يستجيب (هو1:7-3)..
 
سادساً: الكبرياء، التي قد أذلت عظمة إسرائيل، وعوض الخضُوع لله بالطاعة وقبُول مشُورته لشفائها اختارت مصيرها بفكرها الذاتي، فالتجأت إلى آخرين غير عريسها الشافي، لقد رفضُوا الاتضاع أمام الله في كُل تدابيرهُم، هُم أقامُوا ملُوكاً ليس مني (3:8)..
 
هذه بعض ملامح المرض التي كشفها الطبيب الحقيقي لمريضته، لا ليفضحها، وإنما ليردها إليه بالحُب..