الأب جون جبرائيل الدومنيكاني
في شوية عظات بقت منتشرة في بعض الأوساط الكنسية، معتمدة تقريبًا بالكامل على اللعب على المشاعر. تبدأ بكلام حميمي زي: «يا أبويا السماوي… يا حبيبي يسوع… علّمني يعني إيه حب…». وبعدين تفضل تحكي عن الظلم، وسوء الفهم، والخيانة، وإن الصحاب بقوا أعداء… مع دعوة إننا نرمي نفسنا في حضن ربنا اللي دايمًا أمين. اللي بيسمع الكلام ده بيلاقي نفسه بسهولة جوه الحكاية، ويحس بتعزية واحتواء. لكن السؤال المهم: التأثر ده رايح على فين؟
العظة، في جوهرها الكتابي واللاهوتي، مش مجرد مساحة نفرّغ فيها مشاعرنا. هي إعلان عن خلاص المسيح ودعوة لتغيير الحياة. كلمة ربنا ماتقالتش علشان نحس وبس، لكن علشان نتغيّر: «لا تكونوا سامعين للكلمة… لكن عاملين بها».
العظة اللي بتلعب على المشاعر والعواطف بس بتبقى زي المسكّن… أو الأفيون. تهدّي الألم شوية، لكن ما تعالجش المرض. الواحد يطلع متأثر، يمكن حتى دموعه نزلت… بس من غير أيّ اتجاه عملي، ولا تمييز روحي، ولا قرار واضح.
أول مشكلة في الأسلوب ده إنه بيحبس الإنسان في دور الضحية: «لما يظلموني… لما يفهموني غلط… لما يخونوني…» من غير ما ينقلنا للسؤال اللي الإنجيل بيوضّحه وبيسأله: المسيح هيحررني إزاي من الدايرة المقفولة دي؟ في الرسالة المسيحية، الألم بداية لفعل جديد. المسيح آه بيعزّي المتألم، لكن كمان بيدعوه إنه يعيد قراءة نفسه والناس والواقع في نور المحبة والغفران والرجاء. من غير التحوّل ده، العظة ممكن تثبّت الإنسان في موقف سلبي: واحد بيتأذي… مش واحد بيحوّل الأذى وينتصر عليه.
المشكلة التانية إن الخطاب العاطفي بيفصل المشاعر عن شخص المسيح نفسه. العظة المسيحية لازم تتمحور حوالين المسيح: مين هو؟ عمل إيه؟ وبيغيّر علاقتي بنفسي وبالآخرين وبالواقع إزاي؟ لو العظة ما خدتنيش للمركز ده، تبقى فقدت بوصلة الإنجيل. السؤال الحقيقي مش: أنا اتأثرت قد إيه؟
لكن: هل المسيح غيّر نظرتي لنفسي، من ضحية لابن محبوب حرّ؟ غيّر نظرتي للآخر، من عدوّ لأخ؟ فتح قدامي رجاء بدل اليأس؟
ومن أوضح نقاط ضعف الأسلوب ده كلامه الكتير عن "المحبة" من غير ما يقول "إزاي نعيشها". كلام شاعري جميل… بس من غير خطوات. في الحقيقة الإنجيل بيقدّم المحبة كطريق عملي: احترام الكرامة، قول الحقيقة، وضع حدود للشر، ومنع الآخر من إنه يأذيني بطريقة تبنيه مش تدمّره. محبة القريب دي موقف عملي. والسؤال المهم: هل اتعلمت العدل والصدق والرحمة… قبل ما أتكلم عن محبة الأعداء؟
محبة العدو مش معناها الخنوع، ولا تبرير الظلم، ولا إني أبقى فريسة سهلة للنرجسيين أو الناس التوكسيك أو العنف. المسيح أحب أعداءه نعم… لكنه ما سكتش عن الحق، وما بررش الإساءة، وما دعاش للاستسلام للشر. محبة العدو يعني أرفض أرد بالكراهية، وأحاول أكسر دايرة العنف… مع الحفاظ على كرامتي، ووضع حدود واضحة، وأحمي نفسي وغيري. دي محبة عايزة خلاص الآخر… مش تمكينه إنه يكمّل أذى باسم روحانية مزيفة.
من غير التمييز ده، ممكن نفهم الإنجيل غلط، ونفتكر إن المحبة يعني أقبل أي إساءة. لكن الإنجيل بيربط المحبة بالحقيقة والحرية. المحبة المسيحية قوة داخلية تخليك تقاوم الشر… من غير ما تبقى شرير.
المشكلة التالتة هي غياب التطبيق. الإنجيل دايمًا بيتحرّك من الإعلان للفعل:
«افعل أنت ذلك أيضًا». فالعظة اللي بتقف عند المشاعر بتسيب الرسالة معلّقة. لكن العظة الحقيقية بتوصلني لسؤال شخصي: أنا هعمل إيه النهارده؟ هغفر واكسر دايرة العنف؟ هطلب مصالحة؟ هوقف ظلم؟ همنع الظلم؟ إزاي؟ هنا السماع بيتحوّل لمسؤولية… والرسالة لفعل أنا مقتنع إنها دعوتي في حياتي.
مش معنى كلامي إن المشاعر غلط. بالعكس الوجدان جزء مهم من الإيمان. بس لازم يكون باب للالتقاء بالمسيح مش غاية. العظة الناضجة تلمس القلب، وتنور العقل بكلمة ربنا، وتدعو لقرار عملي.
الأب جون جبرائيل الدومنيكاني





