القمص يوحنا نصيف
كلّنا نعرف قصّة حضور الفرّيسيّين للسيّد المسيح، من أجل أن يجرّبوه، طالبين آيةً من السماء. وهذه الحادثة ذُكِرَت في الثلاثة أناجيل الإزائيّة المتشابهة؛ متى ومرقس ولوقا. وكان ردّ الربّ عليهم كما جاءت في إنجيل القدّيس متّى: "جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَمَضَى" (مت16: 4).
لماذا قال لهم الربّ يسوع هذا؟ ولماذا اختار بالذّات قصّة يونان لتكون هي الآية الوحيدة التي يُقَدِّمها لهؤلاء المراوغين المُقاومين للحقّ؟
+ الحقيقة أنّ السيّد المسيح لم يأتِ ليستعرض قدراته من أجل إبهارنا بآياتٍ من السماء، بل جاء ليُخَلِّص مَن قد هلك، ويهب حياة جديدة لكلّ مَن يتّحد به. لقد جاء لكي يتحنّن على المتألّمين، ويرفع عنهم آلامهم؛ جاء ليُعيد لنا الحُرّيّة والقداسة والفرح والسلام..
+ لم يكُن مُمكِنًا تحقيق هذا دون أن يتّحد بجسدنا، ويحمل خطايانا، ويدخل بها إلى الموت لكي يُميتها ويبيدها، ويُقيمنا معه في حياة جديدة، ملؤها الفرح والحرّيّة والانتصار.
لذلك فإنّ آيته الكبرى كانت هي الصليب والقيامة؛
آية الحُبّ والانتصار،
آية البذل ودفن حبّة الحِنطة في الأرض وموتها لكي تأتي بثمر كثير، في حياة مُقامَة لا يغلبها الموت.
+ نعود لهؤلاء الفرّيسيّين الخُبَثاء، ولكلّ مَن على شاكلتهم، والذين يطلبون حتّى الآن آية من المسيح لكي يؤمنوا، على الرغم أنّ آيات الله العجيبة التي أمام عيونهم، لا تُحصَى ولا تُعَد من الكثرة.. فهؤلاء قَسّوا قلوبهم تجاه تعاليم المسيح، وأغلقوا عيونهم أمام معجزاته الباهرة، واقتربوا منه ليس لكي يتعلّموا أو يستنيروا، بل لكي يُجرّبوه ويصطادوا كلمةً من فمه من أجل محاكمته.. فمثل هؤلاء لن يُجدي معهم أيّ تعليمٍ أو آيات، بل فقط الحُبّ حتّى الموت؛ موت الصليب.
+ موت الصليب كان حادثًا فاصِلاً في حياة هؤلاء اليهود، حتّى وإن لم ينتبهوا لذلك وقتها. فانقسموا إلى قِسمين:
القِسم الأوّل: آمَنَ أنّ هذا المصلوب المُحِبّ، الذي يغفر لصالبيه، وتُظلِم الشمس خجلاً من تعليقه عريانًا، وتتزلزل الأرض مرتعدة من دمائه التي قطرَت عليها، أنّ هذا المصلوب هو بالحقيقة ابن الله، الذي يقدّم نفسه ذبيحة عن حياة العالم.
والقسم الثاني: استمرّ في عنادِهِ وكبريائه ورفضه؛ فهؤلاء هَلَكُوا، وتُرِكَ لهم بيتهم خرابًا.
+ لذلك فإنّ آية الموت والقيامة، على مثال يونان، كانت هي أبلغ ردّ، وأقوى رسالة قدّمها الربّ يسوع المسيح لليهود ولكلّ العالم!
القمص يوحنا نصيف





