بقلم: هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
تُعد جريمة مقاومة السلطات من الجرائم التي كثيرًا ما يُساء فهمها أو التوسع في تفسيرها على نحو يجاوز حدود النص القانوني، رغم أنها من الجرائم ذات الطبيعة الدقيقة التي لا تقوم إلا بتوافر أركان محددة على سبيل الحصر. فهي ليست جريمة شكلية تقوم بمجرد الاعتراض أو الاحتجاج، وإنما هي من جرائم السلوك الإيجابي المقترن بنتيجة، والتي تتطلب نشاطًا ماديًا محددًا صادرًا عن المتهم، موجَّهًا إلى موظف عام، بقصد خاص يتمثل في منعه من أداء عمل وظيفي مشروع. ومن ثم فإن إغفال أي عنصر من عناصرها يؤدي حتمًا إلى انتفاء الجريمة قانونًا، تطبيقًا لقاعدة الشرعية الجنائية التي تحظر القياس أو التوسع في التجريم.
تنص المادة 136 من قانون العقوبات على تجريم استعمال القوة أو العنف أو التهديد أو الإكراه ضد موظف عام بقصد منعه من أداء عمل من أعمال وظيفته أو حمله على الامتناع عنه.
ومن هذا النص يتبين أن المشرّع قد رسم للجريمة إطارًا محددًا لا تقوم بدونه، مؤداه ضرورة اجتماع أربعة أركان متلازمة:-
1.وجود موظف عام قائم بعمل وظيفي مشروع.
2. صدور فعل مادي من المتهم يتمثل في القوة أو العنف أو التهديد أو الإكراه.
3. قيام رابطة سببية بين هذا الفعل وتعطيل العمل أو محاولة تعطيله.
4. توافر قصد جنائي خاص، هو نية منع الموظف من أداء وظيفته.
وغياب أي ركن من هذه الأركان يترتب عليه انتفاء الجريمة برمتها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية استعراض الدفوع القانونية التي يمكن أن تُثار في مواجهة الاتهام بمقاومة السلطات، وذلك في إطار من الالتزام التام بمبادئ العدالة والشرعية.
أولا: انتفاء الركن المادي للجريمة.
استقر قضاء محكمة النقض على أن “المقاومة لا تتحقق إلا بأفعال إيجابية تنطوي على عنف مادي أو تهديد جدي.”
فلا يكفي مجرد الاعتراض أو الاحتجاج أو التواجد في مكان التنفيذ، لأن هذه الأفعال — في ذاتها — لا ترقى إلى مستوى القوة أو العنف الذي تطلبه القانون. كما قررت محكمة النقض في أحكام عديدة أن “الجريمة لا تقوم بمجرد الصياح أو الاعتراض أو محاولة منع التنفيذ ما لم يقترن ذلك باستعمال القوة أو العنف.”
ومن ثم، فإذا خلت الأوراق من إصابات مثبتة، وتقارير طبية، أو وصف محدد لفعل عنف منسوب لكل متهم، فإن الاتهام يغدو قائمًا على تصور ذهني وافتراضات، لا على فعل مادي محدد. واليقين القضائي لا يُبنى على الظن، إذ أن الأصل في الإنسان البراءة، ولا يُهدر هذا الأصل إلا بدليل جازم.
ثانياً : بطلان الإسناد الجماعي
المسؤولية الجنائية شخصية، وهو مبدأ دستوري مستقر أكدت عليه محكمة النقض بقولها “المسؤولية الجنائية لا تقوم على الافتراض أو التضامن، ولا يُسأل شخص إلا عن فعله هو.”
وعليه، فإن إدانة عدة أشخاص دون تحديد الفعل الصادر من كل متهم يُعد إهدارًا لمبدأ شخصية العقوبة. وقد قضت محكمة النقض: “لا يجوز مساءلة شخص عن فعل لم يثبت صدوره منه على وجه التحديد.”
فلا يكفي القول بوجود مجموعة في مكان الواقعة، بل يتعين بيان من استعمل القوة، ومن هدد، ومن اعتدى. فإذا جاء الاتهام مرسلاً عامًا غير محدد، فقد فقد صلاحيته كسند للإدانة.
ثالثاً: انتفاء القصد الجنائي الخاص.
لا يكفي لقيام الجريمة توافر القصد الجنائي العام، بل يتطلب النص قصدًا خاصًا يتمثل في نية منع الموظف من أداء وظيفته. وقضت محكمة النقض بأن: “يجب أن يثبت الحكم أن الجاني تعمد منع الموظف من أداء عمله، لا مجرد تواجده أو اعتراضه.”
فإن كان ما حدث وليد انفعال وقتي أو رد فعل عفوي، دون تخطيط أو تدبير، ودون دليل على نية تعطيل التنفيذ، فإن القصد الخاص يكون منتفيًا، ومن ثم تنتفي الجريمة.
رابعاً : مشروعية العمل محل التنفيذ.
يشترط لقيام الجريمة أن يكون الموظف بصدد أداء عمل وظيفي في حدود اختصاصه وبصورة مشروعة. فإذا كان العمل محل التنفيذ يفتقر إلى السند القانوني الصحيح، أو تم دون الإجراءات الواجبة، فإن صفة المشروعية تنتفي، ولا تتحقق الحماية الجنائية المقررة للموظف في هذه الحالة.
خامساً: الشك يفسر لمصلحة المتهم
الأحكام الجنائية تبنى على الجزم واليقين، لا على الظن والتخمين.
إذا تشكك القاضي في صحة إسناد التهمة، وجب القضاء بالبراءة.”
فإذا خلت الأوراق من دليل يقيني، ومن تحديد للأفعال، وانتفى الركن المادي والمعنوي، فإن الشك يظل قائمًا، ويكون القضاء بالبراءة هو النتيجة القانونية الواجبة.
مما تقدم يتضح أن جريمة مقاومة السلطات ليست وصفًا فضفاضًا يُطلق على كل اعتراض أو احتكاك، وإنما هي جريمة ذات أركان محددة بدقة، لا تقوم إلا بعنف مادي ثابت، وإسناد فردي محدد، وقصد خاص، وفي مواجهة عمل وظيفي مشروع. فإذا اختل أي عنصر من هذه العناصر، انهار البناء القانوني للجريمة، وعاد الأصل — وهو البراءة — ليبسط حمايته على المتهم. ومن ثم، فإن التطبيق السليم للقانون يقتضي الوقوف عند حدوده دون توسع، حفاظًا على مبدأ الشرعية، وصونًا لحرية الأفراد من الإدانة بغير دليل يقيني.





