نادر شكري
ما تعرّضت له مريم شوقي عبد الهادي من تحرّش داخل أتوبيس نقل عام ليس واقعة عابرة يمكن تجاوزها، بل جريمة مكتملة الأركان تخضع للتحقيقات القانونية. غير أن الأخطر من الجريمة نفسها هو ما كشفته الواقعة عن جرح عميق في ضمير المجتمع؛ جرح اسمه الصمت، وتبرير الجريمة، وتحويل الضحية إلى متهمة.

في دقائق معدودة داخل أتوبيس عام، تداخلت ثلاث جرائم في آن واحد: تحرّش جسدي، واعتداء لفظي، وتحريض قائم على التمييز. والأخطر أن كل ذلك جرى على مرأى ومسمع من آخرين اختاروا الصمت، أو الأسوأ من الصمت: الاصطفاف مع الجاني، ومطالبة الضحية بالصمت، وكأن الدفاع عن النفس خطيئة.

الصمت الذي يقتل مرتين
حين صرخت مريم ودافعت عن نفسها، لم تكن تطلب بطولة خارقة، بل الحد الأدنى من الإنسانية: كلمة حق، يد تمنع الظلم، أو شهادة تُنصف. لكن تحول الأمر لمشهد الصمت والمشاهدة فقط. الصمت هنا ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة، لأنه يمنح المعتدي إحساسًا بالأمان، ويكسر الضحية نفسيًا.

هذا الصمت نفسه رأيناه مرارًا من قبل؛ رأيناه عند مقتل الطالبة نيرة ذبحًا أمام جامعتها، حين انشغل البعض بملابسها وشعرها بدلًا من إدانة الجريمة. ورأيناه في واقعة المترو، حين تعرّضت فتاة لهجوم واسع فقط لأنها جلست واضعة ساقًا فوق الأخرى، بينما تحوّل رجل لم يتعرض لأي أذى إلى “بطل” تحت عدسات بعض وسائل الإعلام.

أسطورة “الملابس” وتزييف الوعي
كمّ السخرية والهجوم على مريم، وعلامات الضحك والتبرير التي ملأت التعليقات، بحجة ملابسها أو كونها غير محجّبة، يكشف زيفًا عميقًا في الوعي الجمعي. الادعاء بأن الملابس سبب التحرّش تبسيط مضلّل يخالف الواقع والتجربة والمنطق.

التحرّش يحدث للأطفال، وللمسنّات، وللمحجبات والمنقبات، بل وللرُضّع الذين تعرّض بعضهم لانتهاكات جسدية بشعة. فهل كانت ملابسهم سببًا؟ وهل كان مظهرهم “مغريًا”؟ الحقيقة الواضحة أن المشكلة ليست في القماش، بل في عقلية ترى المرأة هدفًا مباحًا، وتستسهل لومها بدل محاسبة المعتدي.

التدين الزائف وخطابات الكراهية
الأخطر من الفعل نفسه هو تبريره باسم الدين. فالدين، في جوهره، منظومة قيم تحمي الكرامة الإنسانية وتدين الظلم. أما استخدامه كسلاح لإهانة امرأة أو تبرير الاعتداء عليها، فهو تدين زائف يُفرغ الأخلاق من معناها، ويغذّي خطاب كراهية الكراهية ويُشيطن المرأة ويشرعن إيذاءها.

على مدار سنوات طويلة، تم اختراق المجتمع بخطابات حرّمت خروج المرأة، واعتبرت وجودها في المجال العام فتنة، وروّجت لفكرة الفصل والعزل. هذه الخطابات لم تحمِ الأخلاق، بل صنعت بيئة نفسية واجتماعية مريضة تبرر الجريمة، وتحوّل جسد المرأة إلى ساحة اتهام دائمة، وتختزل القضايا العامة كلها في ملابس النساء.

مسؤولية مشتركة لا تقبل الهروب
قضية مريم ليست قصتها وحدها؛ إنها مرآة لمجتمع بأكمله. القانون وحده لا يكفي إن لم يسنده وعي مجتمعي حقيقي، يبدأ بتطبيق صارم للقانون ضد التحرّش والتحريض، ويمر بإعلام مسؤول لا يلهث خلف الإثارة، وخطاب ديني مستنير يعيد الاعتبار لقيم الرحمة والعدل، وينتهي بتربية تحترم الجسد والحدود منذ الصغر.

مواجهة التحرّش ليست مسؤولية الضحية، ولا مهمة القانون وحده، بل واجب جماعي يبدأ من الفرد ولا ينتهي عند مؤسسات الدولة. المجتمع كله معنيّ بأن يقول “لا” بوضوح: لا للصمت، لا للتبرير، ولا لتحويل الجريمة إلى نقاش حول ملابس النساء. حماية المرأة وحقها في الحرية والأمان ليست منّة ولا استثناء، بل حق أصيل لا يكتمل أي حديث عن الأخلاق أو القيم بدونه.

حين يتدخل شاهد واحد، حين تُقال كلمة حق في وقتها، حين يقف الناس صفًا واحدًا ضد المعتدي، تتحول الأماكن العامة من ساحات خوف إلى مساحات أمان. وحده مجتمع يرفض التحرّش بكل أشكاله، ويؤمن بحق المرأة في الحركة والحياة دون تهديد، قادر على كسر دائرة العنف، وبناء مستقبل تُصان فيه الكرامة الإنسانية بلا شروط.