الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
عظتي على قراءات قدّاس اليوم: إشعيا ٥٨: ٧–١٠ — مزمور ١١١ (١١٢): ٤–٩ — ١ كورنثوس ٢: ١–٥ — يوحنّا ٨: ١٢ — متّى ٥: ١٣–١٦.
أيها الإخوة والأخوات،
تدور قراءات اليوم حول صورةٍ قويّة: النور. نورٌ يصبح مرئيًا في الحياة، نورٌ يمكن للناس أن يتعرّفوا إليه لأنّه يغيّر طريقة عيشنا. في الإنجيل يقول يسوع أمرًا مدهشًا: «أنتم نور العالم.» لاحظوا فإنّه لا يقول: حاولوا أن تصبحوا نورًا. بل يقول: أنتم نور. هذه هويّة قبل أن تكون مهمّة أو مسؤوليّة. إذا كنّا ننتمي إلى المسيح، فنوره مزروعٌ فينا بالفعل. والسؤال ليس إن كان النور موجودًا، بل هل نسمح له أن يضيء؟
تأتي قراءة أشعيا لتخبرنا كيف يبدو هذا الإشراق. الأمر ليس نظريًا ولا غامضًا، بل ملموس:
اقتسم خبزك مع الجائع،
وآوِ المشرد،
واكسُ العريان،
ولا تتجاهل قريبك.
بكلمات أخرى: النور يصبح مرئيًا عندما تصبح المحبة ملموسة. أشعيا يعلن أمرًا أساسيًّا: القداسة ليست هروبًا من العالم، بل حضور الله في الإيماءات الإنسانية البسيطة مثل مشاركة الطعام، الضيافة، تخفيف الأعباء، تضميد الجراح. وهنا وسط هذه الأفعال، يصبح الله مرئيًا.
إنّ الله لا يقول أوّلًا: صلّوا أكثر، أو اركعوا أكثر، أو صوموا أكثر، أو أنشدوا بطريقة أجمل. هذه الأمور تغذّي علاقتنا بالمسيح، لكنها ليست البرهان النهائي على أن النور يضيء. الصلاة هي مصدر علاقة حيّة بالمسيح، وهذه العلاقة يجب أن تظهر في طريقة تعاملنا مع الأضعف بيننا.
وإلا فإن التقوى تنغلق على ذاتها. الصلاة الحقيقية تفتح العيون، وتليّن القلب، وتدفعنا نحو الآخر. فالمسيح الذي نلتقيه في العبادة هو نفسه الذي نلتقيه في الجائع والمهمَّش والمتعب. ما نتلقّاه أمام الله يجب أن يفيض رحمةً في العالم.
المزمور يصف البارّ بأنّه "نور في الظلمة" فهو كريمٌ ورحيم وثابت. هذا هو أسلوب حياة يضيء بهدوء.
ثم يذكّرنا القديس بولس بأن هذا النور ليس استعراضًا بشريًا. إنّه ينبع من المسيح المصلوب أي من محبة تبذل ذاتها. فالنور المسيحي لا يقوم على القوة البشرية، بل على قوة الروح.
وهذا يقودنا إلى بُعدٍ أساسيّ في رسالة اليوم: "السلام".
إذا كنّا نور العالم، فنحن مدعوون أن نكون "صانعي سلام" لكن ليس أيّ سلام. في عالمنا نسمع أحيانًا كلامًا يقول إن السلام يُصنع بالقوة أو بالهيمنة. لكن الإنجيل يكشف طريقًا مختلفًا. سلام المسيح لا يُبنى على الخوف ولا على فرض السيطرة، بل على الاعتراف بكرامة كل إنسان. ولهذا عبّر البابوات بوضوح:
«الحرب ليست مقدّسة أبدًا؛ السلام وحده مقدّس، لأنّه إرادة الله.»
هذه العبارة تلخّص روح الإنجيل. فالسلام في لكتاب المقدّس ليس صمت السلاح فقط، ولكنّه يكمن في اكتمال العلاقة مع الله ومع الآخر. لذلك فالمسيحي مدعوّ أن يصنع سلامًا يقوم على العدالة والرحمة والمصالحة. سلام يرى في الآخر إنسانًا محبوبًا من الله لا جواز سفر، ولا لون بشرة، ولا تصنيفًا يُستبعَد. هذا السلام قد يبدو ضعيفًا في نظر العالم، لكنه في الحقيقة أقوى، لأنه يغيّر القلوب لا فقط الموازين. إنه السلام الذي يخرج من نور المسيح، ويجعلنا شهودًا لكرامة الإنسان ولرجاء يتجاوز منطق القوة.
لذلك يقول يسوع: «فليضئ نوركم أمام الناس.» لكي يرى الناس حضور الله في حياتنا. وهذا يصبح عمليًا جدًا. أين يضيء نورنا؟ في تفاصيل الحياة اليومية: احترام داخل الاختلاف
انتباه لمن لا يُرى
تخفيف عبء عن متعب
قد تبدو هذه الإيماءات صغيرة، لكنها في يد الله تخترق الظلمة.
ويحذّرنا يسوع: يمكن للنور أن يُخفى، ويمكن للملح أن يفقد طعمه. يحدث ذلك عندما يصبح الإيمان مريحًا ومنفصلًا عن الحياة. كلمة الله اليوم تدعونا بلطف ووضوح: الإيمان يجب أن يصبح مرئيًا. ليس استعراضًا، بل تدفّق طبيعي لقلب لمسَه المسيح. وهنا وعد أشعيا: «تنادي فيقول الرب: ها أنا ذا.» حين تتحول الرحمة إلى فعل، يصبح الله محسوسًا للآخرين ولنا.
فلنصلِّ اليوم:
يا رب، اجعل نورك فينا محبة مرئية،
واجعلنا أداة لسلامك.
نورًا أمينًا، يوميًا، ملموسًا لا ينطفئ.
لأن العالم لا يتغيّر بالكلام وحده…
بل يتغيّر عندما يسمح الإنسان، بهدوء وثبات،
لنور المسيح أن يُرى.
آمين.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





