محمد طه
ديسمبر 2025: راجل مسن يتطاول على فتاة قاعدة قدامه فى المترو، ويقولها منفعلاً وبالصوت العالى: ينفع الرجالة دى كلها قاعدة، وانتى حاطة رجل على رجل فى وشنا"!! وسط صمت (الرجالة) المحيطين، ومحاولة بعضهم لتهدئته.. ثم تهليل وتصفيق من آلاف المعلقين والمشاركين والمشجعين على السوشيال ميديا، اللى شايفين ان وضع فتاة (رجل على رجل) قدام الرجالة عيب، ومنافى لقيم وأخلاق الأسرة المصرية.

ديسمبر 2025: مدرس اعدادى أو ثانوى، يضع قواعد للبس اللى عاوزين ياخدوا درس خصوصي عنده: "أى بنوتة عسولة كده يا جماعة هاتجيلى برقبتها باينة ماعدتش تيجي.. أى واحدة هاتجيلى بمكياج وملخبطالى وشها، تنسي القلم وتجيب صابع الروج، ماعادتش تيجي.. الموضة اللى ماشية دى.. البنات اللى مطلعين نص شعرهم من الطرحة.. الله الغنى.. معتدوش تجولى..... لا يا أستاذ مش باللبس.. لا باللبس.. البنات حياء.. كلها عورة.. دراعك البنت اللى بتشمر.. عورة.. رقبتك اللى باينة عورة يا سكرة..".. وتعليقات هائلة تمدح وتشكر وتثنى على المدرس، اللى أصبح -فى نظر كتلة جبارة من المؤيدين- بطل شعبى يدافع عن الأخلاق، ومثل أعلى يحمي التعليم، والتربية، والدين. 

يناير 2026: الجلسة الافتتاحية للدورة البرلمانية الجديدة ترأسها سيدة (بحكم أنها أكبر الأعضاء سناً)، وعلى جانبيها سيدتين آخرتين (أصغر الأعضاء سناً).. فى مشهد مهيب ومشرف وليه دلالة رائعة.. وصور بعض عضوات المجلس اللى مليانة جمال ورقى وفخر تنتشر وتتم مشاركتها على السوشيال ميديا.. وسط سيل جارف من التعليقات المستهجنة الغريبة اللى بتستنكر، وتسخر، وبعضها يعاكس بل ويتحرش، وينتهى معظمها ب: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"..

فبراير 2026: فيديو تتهم فيه فتاة أحد الشباب الموجودين في أتوبيس عام بالتحرش بيها، التحقيقات طبعاً هاتثبت صحة الاتهام من عدمه، لكن الشاب -وغيره- فى الفيديو بيقولولها: "شوفى انت لابسه ايه، يا زباله، انت تعرفى دين"، "يا بت اقعدي ساكتة، دا انتي الدين متبري منك"، "وإيه اصلا اللبس اللي انتي لابساة دا".. وسط ابتسامات البعض، وصمت البعض، وتجاهل البعض.. وبمجرد ما نزلت الفتاة فيديو آخر تحكى فيها جانبها من الرواية، انهالت عليها التعليقات والهجوم والاستنكار للى هى (لابساه) وللى هى (عاملاه فى وشها)..

المزعج بالنسبة لى فى الواقعة الأخيرة دى مش انها (فقط) اتهام بالتحرش.. ولا ان دى أصبحت حاجة متكررة ومؤذية ومقززة جداً، ولا ردود الأفعال العجيبة المريبة من الناس اللى فى الشارع أو المواصلات أو السوشيال ميديا..

المزعج بجد.. والمخيف فعلاً هو الرسالة اللى عمالة توصل للستات من تكرار هذه الأفعال بالشكل ده.. ومن استجابة شرائح معينة (مش قليلة) ليها.. ومن ترديدها وإعادة توصيلها بثبات وبإصرار شديد..

أنا كنت دايماً باتكلم عن العقل الجمعى (الغالب) لمجتمعنا، وايه الرسايل اللى بتوصل (ليه) وبتساهم في تكوينه وتركيبه.. انما دلوقت بسم الله ما شاء الله العقل الجمعى ده كبر، وربرب، وظهر، وأصبح هو نفسه بيرسل رسائل واضحة.. ومتكررة.. وصوتها عالى جداً..

فى رأيي، ان العقل الجمعي لشريحة كبيرة من هذا المجتمع أصبح بيقول لكل امرأة صراحة: "ماتتحركيش من مكانك".. "ماتكبريش وماتظهريس".. وياريت "ماتخرجيش من البيت" أحسن..

وكل الناطقين بهذه الرسالة على اختلاف صورها وأشكالها هم أعضاء مغيبون فى تنظيم عقلى فاسد ومريض، قاموا بتسليم وعيهم وعقولهم وأفكارهم لمجموعة من متطرفى الفكر، مطموسى الروح، معطوبي النفوس..

ما هو طالما (كلها عورة)، على حد قول السيد المدرس.. يبقى تقعد فى البيت أحسن..

وطالما (ينفع الرجالة دى كلها قاعدة، وانتى حاطة رجل على رجل)، على رأى السيد عجوز المترو، يبقى مالهاش مكان وسط الرجالة الا لو مشيت على كتالوجهم الخاص..

وطالما ادارتها وقيادتها لأى مكان أو موقف أو سياق، هايؤدى إلى عدم النجاح والفلاح، على حد الفهم القاصر والمختزل لمن يرددون هذا الكلام.. يبقى خليها صغيرة متقزمة مكفية على نفسها بين أربع حيطان..

وطالما أصبح أى حد فى الشارع -بالمعنى الحرفى- ممكن يدى نفسه الحق إنه يقيم ويعلق ويقول رأيه المريض فى لبس أى واحدة ويربط ده بعلاقتها (هى نفسها) بربنا، على حسب اللى (هو نفسه) فاهمه وشايفه ومقتنع بيه، ونوصل لغاية (إيه اصلا اللبس اللي انتي لابساة دا.. انتى تعرفي دين).. يبقى خروجها من بيتها مخاطرة محتاجة حسابات..

العقل الجمعي (لشريحة ليست قليلة من هذا المجتمع)، واللى اتغذى على أفكار متطرفة، وآراء شاذة، وتركيبات نفسية وعقلية متسرطنة.. قد تعملق، وتغول، وتوغل، وأصبح ليه صوت صاخب.. ومساحة مختطفة.. وحضور مزعج ومخيف..

كل يوم بيبعت رسالة جديدة.. 

وبيتحرك فى أرض مختلفة..

وبيدور على مزيد من الصراعات والصدامات.. والتحريضات والفتن.. لأنه مايعرفش غيرها..
لذا.. 

وجب التنويه..

محمد طه