ماهر فرغلي 
كان مكتوب في شوارع مدينتنا الرئيسية على الجدران "إسلامية إسلامية"... "قاطعوا النصارى"... رأيت (ش) بعيني وهو يمسك الفرشاة ومعه جمع يلفون بكل صلف يكتبون تلك اللوحات، التي لا زال بعضها يقاوم الغبار رغم مرور السنين.
 
كان (ش) يقول "المسيحيون رأئحتهم كريهة"، و"الأديرة تعج بالأسود والنمور لتأديب المرتدين عن المسيحية"... صدقه المراهقون الصغار... نعم صدقوه... صدقوا أن "الأقباط خونة"، و"أن الكنائس صارت مخازن أسلحة وذخيرة"، و"أن رجال الدين المسيحيين يلبسون ملابس الحداد السوداء حزناً على وجود المسلمين".
 
في ليلة شم النسيم خرجوا صفوفًا يقودهم (ش)، ليقفوا دقائق أمام محلات الأقباط وكنائسهم، بحجة الضغط على الحكومة للإفراج عن الشيخ حسن الغرباوي (مات منذ شهر)... الدنيا انقلبت في بلدنا... وضابط الأمن وهو يركب سيارة الشرطة، كان يقول: "وكتاب ربنا هذا حرام".
 
بعد سنوات طوال تاب (ش) عما فعل، وحكى لي: "تصورنا أن الدولة ضعيفة، وذهبنا بجمعنا لنقتحم كنيسة يتم بناؤها... يحيي ومصطفى وجمال قفزوا إلى الدور الثاني وكبروا الله أكبر ثم أقاموا الصلاة... القوات أحاطت بنا، والجماهير التفت حول العساكر، واضطر الضباط للإفراج عنا... انتصرنا ساعتها ومن يومها أصبحت كلمتنا مسموعة في البلد... بلدنا وكبار عائلاتها ومواطنيها أصبحت تخشانا".
 
بعد سنوات طوال وعقب عزل الرئيس الإخواني عن السلطة بمصر، رأيته يمسك ورقات مكتوب عليها "قطع النياط في وجوب قتل الأقباط" كأن ما تاب عنه سحابة صيف مرت سريعًا، وكأن ذاكرته من ماء.
 
في نفس اليوم الذي عزل فيه مرسي عن الحكم، حطم الإخوان بابنا واخترقوا المنزل بالقوة هرباً من أعدائهم... وقف ابن عمي في وجه الباب لكنهم أوقعوه أرضًا، فصمد دقائق على الدرج الأول من السلم يمنعهم من الصعود، لكنه لم يملك المقاومة فهم كثرة وجحافل تفر من الموت المحقق، فوقع طريح الأرض... علمت فيما بعد أن هذه العناصر كانت من وجه بحري... أي أنهم تركوا بلدانهم وجاءوا إلى مدينتنا في صعيد مصر، ليهاجموا الكنائس ومقار الشرطة.
 
حكى لي ابن عمي أن العناصر المعادية للإخوان اشتبكوا معهم وأنه قفز من فوق السطح إلى أرض زراعية تفصل منزلنا عن المعهد الأزهري... ونجح في الفرار.
 
فتحت التلفاز في هذا اليوم فرأيت جنودا مصابين وسيارة تسقط من أعلى كوبري في مدينة نصر، والمذيع يحكي عن هجمات منظمة على الكنائس وأقسام الشرطة، وحرقها... مجزرة في قسم كرداسة... اشتباكات عنيفة في المحافظات... سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى... الداخلية تعلن رصد تعليمات من قيادات الإخوان لأعضاء الجماعة بتنفيذ هذه الهجمات، واتباع سياسة الأرض المحروقة... إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال، ونزول الجيش والشرطة للشوارع... تواصل الهجمات على الشرطة والمسيحيين في المحافظات، والمواطنون يشكلون لجانًا شعبية لحماية الكنائس والأقسام من "الإخوان".
 
 
ثمة أشياء كنت لا أفهمها، لكنني سمعت عنها من (ش) فيما بعد... كان يتحدث عن الحراك المسلح... لن أنسى أبدًا كيف كان وجهه ينضح بالنار، وغلالات الحقد والغضب كانت تخرج من فمه، وهو يقول إن هناك نصرا مأمولا على المرتدين!
 
خرجت العائلات بسلاحها تحمي المحلات والكنائس، ومتحف المدينة، التي أصبحت صامتة كئيبة، يكسو وجوه أهلها الخوف والحزن.
 
حكوا لي كيف أنه أخذته الحماسة فقبض بيديه على شرطي يسير في الشارع، وسكب عليه البنزين وأراد حرقه لولا أن بعض الأهالي أغاثوه.
 
تم اتهام (ش) أنه شارك في الهجوم على الكنيسة الإنجيلية، ومنزل عائلة جرس، وهي من كبار عائلات المسيحيين الأقباط في بلدنا.
 
قابلته صدفة وهو هارب، فقال لي إنني كنت مجنوناً، لا أعرف لماذا عدت لهؤلاء؟... كنت أتصور أن الإخوان سيحكمون إلى ما لا نهاية.. كيف أهرب؟ وكيف أتوب مرة أخرى؟. 
 
قبض عليه بعد شهر من لقائي به بعد تلك الأحداث المريرة، وتم اتهامه بحرق الكنيسة والشروع في قتل الشرطي وحكم عليه بالإعدام.. لم يتحمل الحكم فمات حزيناً في زنزانته، قبل الاستئناف والمحاكمة من جديد، ولم يخرج أحد في جنازته سوى والدته الذي هو وحيدها وزوجته، وبعض رجال الأمن.