هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
تمثيل الطوائف الدينية أمام القضاء ليس مسألة شكلية أو تنظيم داخلي، وإنما مسألة تتصل بالنظام القانوني للشخصية الاعتبارية ذاتها، وبمبدأ الشرعية الذي يحكم وجودها وإرادتها القانونية.
فالخصومة القضائية لا تنعقد إلا بين ذوي صفة، والصفة في تمثيل الأشخاص الاعتبارية مصدرها القانون وحده، لا التفويض ولا العرف ولا الاعتبارات الدينية أو الإدارية.
الأصل الذي استقر عليه الفقه والقضاء أن الشخصية الاعتبارية للطوائف الدينية لا تنشأ بذاتها، بل تستمد وجودها القانوني من اعتراف الدولة اعترافًا خاصًا. بمقتضى ترخيص صادر بقيام تلك الشخصية.
إن مفاد نص المادتين (52، 53) من القانون المدني – وعلى ما استقر عليه قضاء محكمة النقض – أن الشخص الاعتباري لا تكون له ذمة مستقلة ولا أهلية تقاضٍ إلا في الحدود التي يبينها سند إنشائه المعترف به قانونًا، وأن من يمثله هو من يعينه القانون ذاته لا من يختاره أو يفوضه.
وفي هذا الإطار، صدر الفرمان العالي المؤرخ 18 فبراير 1856 منظمًا شؤون الطوائف المسيحية، وأقر لها نظام المجالس المخصوصة داخل البطريركخانات، ثم تلاه الأمر العالي في 14 مايو 1883 بالتصديق على لائحة ترتيب واختصاصات مجلس الأقباط الأرثوذكس العمومي، والتي توالت عليها التعديلات بالقوانين أرقام 8 لسنة 1908، 13 لسنة 1917، 29 لسنة 1927، 48 لسنة 1950، 267 لسنة 1955.
وقد نصت المادة الأولى من هذه اللائحة على تشكيل المجلس للنظر في مصالح الأقباط الأرثوذكس الداخلة في اختصاصه ومقره البطريركية.
ونصت المادة الثالثة صراحة على أن رئيسه هو حضرة البطريرك، فيما قررت المادة الثامنة اختصاصه بكل ما يتصل بالأوقاف الخيرية ومدارس الطائفة وفقرائها ومطبعتها وسائر شؤونها العامة.
ومؤدى ذلك – أن المشرع اعترف بالشخصية الاعتبارية لطائفة الأقباط الأرثوذكس، وجعل التعبير عن إرادتها القانونية في شؤونها العامة منوطًا برئيس مجلسها العمومي، أي البطريرك.
وقد أكد المشرع هذا المعنى عند إصدار القرار بقانون رقم 264 لسنة 1960 بإنشاء هيئة أوقاف الأقباط الأرثوذكس، إذ نص القرار الجمهوري رقم 1433 لسنة 1960 على أن البطريرك هو الممثل القانوني للهيئة. وهو تأكيد تشريعي صريح لوحدة مصدر التمثيل القانوني للطائفة في واحدة من أهم مجالات نشاطها، وهو إدارة أوقافها.
قضاء محكمة النقض حسم المسألة بصورة قاطعة في الطعن رقم 21376 لسنة 88 قضائية – جلسة 17/11/2019 – إذ قرر أن: “تمثيل طائفة الأقباط الأرثوذكس في التقاضي فرع من النيابة القانونية عنها، مصدرها القانون، ومداها وحدودها لا تتجاوز ما نص عليه، وأن البطريرك هو وحده الممثل القانوني لتلك الطائفة في المسائل المتعلقة بأوقافها ومدارسها وفقرائها ومطبعتها وسائر شؤونها العامة، ما لم يرد نص قانوني بخلاف ذلك.”
وهذا القضاء يقرر عدة أصول قانونية جوهرية:-
أولها أن التمثيل هنا ليس وكالة اتفاقية، بل نيابة قانونية.
ثانيها أن مصدر هذه النيابة هو النص، لا الإرادة الشخصية.
ثالثها أن نطاقها وحدودها لا يجوز التوسع فيها بطريق القياس أو التفويض.
ومن المبادئ المستقرة في القضاء أن تمثيل الشخص الاعتباري أمام القضاء صفة لصيقة بشخص الممثل الذي عينه القانون، وليست اختصاصًا إداريًا قابلاً للتفويض المطلق، لأن الصفة شرط لقبول الدعوى، وتتعلق بالنظام العام، وتقضي بها المحكمة من تلقاء نفسها.
كما استقر قضاء مجلس الدولة على أن الخصومة الإدارية لا تنعقد إلا باختصام الجهة أو الشخص الذي حدده القانون ممثلًا قانونيًا، وإلا قضى بعدم القبول لانتفاء الصفة.
وعلى ذلك، فإن تقدم أسقف أو كاهن أو أي شخص بدعوى أنه مفوض من قداسة البابا لرفع دعوى باسم الطائفة لا ينشئ له صفة التقاضي باسمها، لأن الصفة القانونية في التمثيل ليست محل تفويض، بل مصدرها النص المنشئ للشخص الاعتباري ذاته.
وجدير بالذكر ان تمثيل الشخص الاعتباري أمام القضاء وفي مواجهة الغير هو صفة ملازمة لشخص الممثل وليس اختصاصاً يحق له تفويض الغير فيه المفوض لا يفوض . وأن قداسة البابا هو الممثل القانوني الوحيد باعتباره صاحب الصفة الوحيد في تمثيل الكنيسة القبطية الارثوذكسية .
الوكالة – إن صحت – تكون في مباشرة الإجراءات كمحامٍ أو وكيل عن الممثل القانوني، لا بديلاً عنه في الصفة.
والأثر القانوني المترتب على رفع دعوى باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من غير البطريرك – أو من لم يسنده القانون صراحة – هو الحكم بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة، دون مساس بأصل الحق، باعتبار أن الصفة شرط سابق على بحث الموضوع.
أن تمثيل طائفة الأقباط الأرثوذكس أمام القضاء ليس مسألة تنظيم كنسي داخلي، بل مركز قانوني محدد المصدر والحدود، قرره المشرع وأكدته التشريعات المتعاقبة وأحكام محكمة النقض وقضاء مجلس الدولة. والبطريرك، بصفته رئيس المجلس العمومي وممثل الطائفة قانونًا، هو وحده صاحب الصفة في التعبير عن إرادتها القضائية، حمايةً لوحدة شخصيتها الاعتبارية وصونًا لاستقرار المراكز القانونية ومنعًا لتعدد الإرادات في كيان قانوني واحد.
وإذا كان القانون قد أحاط هذا التمثيل بقيود صارمة، فذلك اتساقًا مع مبدأ الشرعية، إذ لا وجود لإرادة قانونية لشخص اعتباري إلا من خلال من عينه القانون لتمثيله. ومن ثم، فإن احترام هذا الإطار ليس مجرد التزام شكلي، بل ضمانة جوهرية لصحة الخصومة وصون النظام القانوني ذاته.





